الأربعاء، 27 يوليو 2011

وقفة - إلى الهيئة العليا «المستقلة» للانتخابات : «وقيّت باش تفيق على روحك»

« وقيّت باش تقيّد ».. شعار تافه ومبتذل، مفرغ من أي مضمون وطني، ولا يعكس الأهمية القصوى للتسجيل لهذه الانتخابات الأهم في تاريخ تونس المعاصر، كما أنه لا يتضمن أي إشارة أو ربط بالثورة التونسية العظيمة، ولا أية إشارة وفاء لدماء الشهداء الذين ضحوا بحياتهم حتى يمنحوا التونسيين هذا الحق في «التقييد» والتصويت ... ولا أي حديث عن الواجب الوطني وفرائض المواطنة وخطورة المقاطعة والعزوف عن التصويت على مستقبل البلاد ..

«وقيّت باش..» يعني الاستحباب اللطيف .. ومن شاء فل »يقيّد « ومن لم يشأ فلا تثريب عليه!!

من ناحية أخرى، فإن الاستعمال المزدوج للهجة الدارجة واللغة الفرنسية وتجنب أي شعار باللغة العربية الفصحى، لا يمكن فهمه سوى أنه فرض لرؤية رئيس الهيئة «المستقلة» وأصدقائه، للهوية التونسية على كل التونسيين رغم كونها رؤية أقلية لا تنسجم مع الاتجاه العام الغالب في البلاد ..

مرة أخرى أحذر كمواطن الهيئة «المستقلة» من مغبة تنفيذ أجندات شخصية أو حزبية أو إيديولوجية أو إقليمية في هذه العملية الانتخابية.. وأذكّرها أننا دخلنا عصر «الشعب يريد» وأن الشعب الكريم لن يتسامح إطلاقا مع كل من تسول له نفسه تزوير إرادته بأي شكل كان، ولن يتردد إطلاقا في أن يصيح في وجهها بكل حزم «وقيّت باش ترحل».

عماد الدائمي

الخميس، 30 يونيو 2011

وقفة - شركاء في العدوان


نعم لحرية الإبداع والتعبير .. لا للتكفير والعنف والتكسير .. ولكن لا وألف لا للاستهزاء بمعتقدات الغالبية العظمى من التونسيين وانتهاك مقدساتهم ..
إن الأقلية المجهرية التي تستفز مشاعر الأغلبية ضمن أجندة فئوية إستئصالية ضيقة، والأقلية الميكروسكوبية المقابلة التي تكفّر جزء من مجتمعنا وتعتمد العنف والهمجية تنفيذا لأجندة مشبوهة أيضا، هم شركاء في العدوان الممنهج تجاه شعبنا التونسي العربي المسلم المنفتح والمتسامح، والإجرام تجاه ثورته السلمية، وتجاه مسار الانتقال للشرعية والديمقراطية.
إن غالبية الشعب العظيم ترفض دكتاتورية الأقليات ذات الأهداف المشبوهة والوسائل المرفوضة.

عماد الدائمي


السبت، 18 يونيو 2011

المتحولون يوم 14 جانفي والمعركة الخاسرة ضد التاريخ






يشنّ صديقي عبد الوهاب الهاني، رئيس حزب "المجد" والمرشح لرئاسة الجمهورية التونسية منذ أسابيع حملة شعواء ضدّ شخصي، لا لشيء إلا لأنّه تصادف حضوري معه في حلقة 13 جانفي الشهيرة على قناة الحرة، عندما تورّط هو في الدفاع عن الدكتاتور المتهالك ومدح خطابه والمطالبة بإعطائه فرصة، في حين ألهمني الله الثقة بإرادة شعبنا واليقين بوصول ساعة نهاية الدكتاتورية والتوقع بأن يكون اليوم الموالي، يوم 14 جانفي، "يوما سيشهده التاريخ باعتباره اليوم الذي سيفر فيه الطاغية الذي لفظه الشعب التونسي".

صديقي عبد الوهاب الهاني، الذي "أكلت معه العيش والملح" كما يقول اخوتنا المشارقة، قال في معرض تبريره لموقفه الورطة، أن توقّعي ذلك "لم يكن نتيجة قوة في التحليل ولا في الدقازة (التنبّؤ( بل نتيجة قوة في المعطيات"، حيث أنني، حسب صديقي، كنت على علم مسبق بالفرار "المبرمج" لبن علي يوم 14 جانفي بسبب اطلاعي على مشروع الانقلاب الذي خطط له الجنرال علي السرياطي وليلى بن علي وفهد محمد صخر الماطري ووالده محمد المنصف الماطري ضد بن علي .. لذلك كنت واثقا تمام الوثوق ...

أعرف جيدا أن الابتسامة ارتسمت على محياكم جميعا، ولكن أؤكد لكم أن صديقي عبد الوهاب الهاني قال ذلك الكلام بكل اندفاع وثقة .. وأصدر شريطي فيديو، تضمّن أحدهما لقطات من مداخلتي وصور من حسابي على الفايسبوك. كما وصلتني شهادات من أصدقاء لي حضروا ندوات سياسية قام بها "حزب المجد" في بعض المدن تفيد أن الهاني كرر نفس الكلام كلما سأله أحدهم حول حقيقة كلامه في برنامج الحرة لليلة 13 جانفي ..

أعود لموقفي في تلك الحلقة لأقول أنني لا أدّعي البطولة فيما قلت، ولكن الله منحني الفرصة تلك الليلة وألهمني أن أقول عاليا وبكل يقين ما كان عدد كبير من التونسيين يتوقعونه، ويرجونه، ويحلمون به ...

وأصدقكم القول أنني شعرت بالشفقة أثناء الحصة على صديقي كيف يلقي بكل أوراقه في رهان خاسر، وصرّحت له بذلك، ولكنه أصر وتمادى مثل الكثيرين الذين أطلّوا على التونسيين من الشاشات المحلية والعربية والأجنبية تلك الليلة.
ثم جاءت أحداث اليوم الموالي المجيدة لتصدّق حدسي وتحقق حلم الشعب الكريم، ولتُسقط حسابات المراهنين والمقامرين الخاطئة وتحليلاتهم القاصرة ومطامعهم الخائبة.
وأمام هول الصدمة وخيبة المسعى، اعتمد هؤلاء القوم استراتيجيات مختلفة باختلاف شخصياتهم، واختلاف درجة مسؤوليتهم. وسأعرض فيما يلي الاستراتيجيات الأربع التي عددتها:

1 ـ إستراتيجية الانسحاب النهائي من المشهد. "ذابوا كالملح في الماء وتبخروا كالماء في الصحراء" كان هذا مصير الناطقين الرسميين وغير الرسميين باسم القصر أو باسم الأجهزة الأمنية مثل سمير العبيدي وبرهان بسيس. اختفاء هؤلاء لم يكن قطعا حياء وخجلا بل خوفا من انتقام شعب كان لا يفرق بين كلامهم المؤذي ورصاص القناصة وسياط الجلادين في أقبية الداخلية .. ولا يُتوقع إطلاقا لهؤلاء أن يعودوا يوما للمشهد، مع أمل ألا يقعوا يوما مصادفة في أيدي مواطنين ناقمين...

2 ـ إستراتيجية الاعتذار وطلب الصفح: "الرئيس المخلوع نفسه قال غلطوني، وأنا أيضا غلطوني طيلة 23 سنة" قالها لي بوبكر الصغير في لقاء جمعني به يوم السبت 15 جانفي على إحدى القنوات؛ ثم أردف ذلك برسالة نشرها في اليوم الموالي اعتذر فيها "للشعب التونسي ولكافة الشخصيات الوطنية فقد كنا نعيش الترهيب في زمن بن علي، وهو من فرض علينا وجهة النظر تلك، صحيح أن موقفنا كان مخزيا، لكن على الجميع أن يتفهم ظروفنا، فقد كنا ملزمين بالسمع والطاعة وكيل الاتهامات المجانية لكل أعداء النظام". شبيهه في الرداءة الإعلامية "عبد العزيز الجريدي"، صاحب "الحدث" و"كل الناس" سيئتا الذكر، كان "أشجع" في الاعتذار حيث أرسل رسالة اسمية إلى أكثر من 100 شخصية هاجمها طيلة تاريخه الزاخر ناشد فيها ضمير تلك الشخصيات أن تغفر له ذنوبه "إذ أنني أتحمل المسؤولية كاملة ولا ألقيها على أطراف أخرى .. كتبت هذا إرضاء للضمير وطلبا للمغفرة ممن تسلطت عليه وانتظارا لغفران الله يوم الحساب ..".
اعتذار هؤلاء قد لا يكون صادقا، والأقرب أن يكون بنية التفصي من مسؤولية الجرائم التي ارتكبوها في حق أعراض العشرات من الوطنيين، والهروب من المحاسبة. ولكن الأكيد أن هؤلاء أيضا غادروا المشهد نهائيا غير مأسوف عليهم، تاركين وراءهم صورة مخزية وذكرى مقززة وسمعة "كالزفت" كما يقول إخوتنا المشارقة.

3 ـ إستراتيجية الهروب إلى الأمام: وهي الإستراتيجية التي اعتمدها زعيمي "التجديد" و"الديمقراطي التقدمي" الذين لم يتوقفا كثيرا عند التبرير، وبقيا وفيين لمنهجهما المرتكز على درجة عالية من البراغماتية، وعلى رفض "المغامرة" وتجنب المواقف الراديكالية غير محسوبة العواقب والاقتناع بالتغيير المتدرج في إطار التواصل. وهو المنهج الذي قادهما للمشاركة في الحكومة "التجمعية" الأولى للغنوشي ثم في حكومته الثانية، في تضاد مع الرأي العام الغالب. ما "يشفع" لأصحاب هذا التوجه لدى العديد من التونسيين كونهم لم يحاولوا يوما تصدّر المشهد الثوري، وهو ما يصنف مواقفهم تلك في باب الاجتهاد السياسي القابل للنقد والمهاجمة في كنف الاحترام.

4 ـ إستراتيجية الانقلاب الفوري وركوب الثورة: لعلكم تذكرون مثلي قصة الصحفي "صاحب الافتتاحيتين" الذي أرسل جريدته للطبع صباح السبت 7 نوفمبر 1987 بافتتاحية تمجد بورقيبة، ثم سحب العدد في الصبيحة وأصدر على عجل عددا آخر بافتتاحية جديدة تبارك التغيير وتبرّر له وتحيّي منقذ البلاد .. أعاد التاريخ نفسه يوم 14 جانفي، وتكشفت للتونسيين مواهب "حربائية" من طراز عال من صحفيين وشخصيات حقوقية وسياسية تحولت مباشرة دون التقاط نفس من الحديث عن "سيادة الرئيس" إلى "المخلوع الهارب"، ومن خطاب الحكمة والتعقل والتفهم والتهدئة و"البر المدني" إلى خطاب "الثورة الشعبية" و"القضاء على الدكتاتورية" وضرورة المحاسبة .. وغيرها.

سبحان مغير الأحوال، بين عشية وضحاها صار خطاب هؤلاء المتحولين أشد قوة وثورية وقطيعة من خطاب المعارضين التاريخيين الذين لطالما وُصموا من قبل الأولين بالتنطع والعنترية والدنكيشوتية ..
إعادة تموقع تامة حاول أن يقوم بها هؤلاء في محاولة يائسة لبناء عذرية جديدة ولطي الصفحات السوداء من تاريخهم. أصبح بعض هؤلاء نجوما صاعدة في وسائل الإعلام المتحولة بدورها، وعين بعضهم نفسه ناطقا باسم الثورة، وسكن البعض الآخر في القنوات التلفزية والإذاعات والصحف تهليلا للثورة وإعطاء للدروس وتوضيحا لخارطة الطريق ونقدا لاذعا للمشككين في ثورة الشعب وتهجما قاذعا على "المخلوع" وعائلته ورموز نظامه ودعوة ملحة لمحاسبة كل المتنفعين المرتبطين بالنظام السابق ..

ولكن سرعان ما لاحقهم جميعا تاريخهم وحاصرتهم مواقفهم وكتاباتهم وكلماتهم قبل ليلة 14 جانفي .. حيث أصبح التنقيب عن المواقف السابقة للمتحولين والراكبين وثوريي 15 جانفي رياضة وطنية يمارسها العديد من الشباب المتحفز والمترصد..
رد الفعل "الطبيعي" لهؤلاء كان التبرير والتبرير والتبرير ثم مزيد من الثورية ومغازلة الرأي العام الغالب لكسب أصوات الذين لا يعرفون حقيقتهم (أو بالأحرى لم يعرفوها بعد).
وكل ما أمعن هؤلاء في الثورجية وفي محاولات تصدر المشهد كلما دفعوا العديدين للبحث والتنقيب على مواقف أو شهادات تدينهم. ولا شك أنه لو اختاروا طريق الاعتذار للشعب وطلب الصفح منه لما نالوا من العداوة ما نالوا ولسرعان ما نسيهم الناس وتوقفوا عن ترصد عثراتهم.

أعود لصديقي عبد الوهاب، والبادىء أظلم، لأقول أنه اختار، حسب ظني، الموقف الصواب مباشرة عند انكشاف المستور وانتشار مداخلته الشهيرة المذكورة في أول المقال على شبكة الفايسبوك، حيث نشر اعتذارا للشعب التونسي في مقال بالفرنسية أسماه "أعتذر، أنحني وأفسر" بدأه بالجملة التالية:"أنا لن أقول كما قال البعض غلطوني، بل أقول أخطأت. نعم ليس هناك عيب أن أعترف بذلك، خصوصا وأن الخطأ من طبيعة البشر، وأنه وحدهم الذين لا يفعلون شيئا، لا يقعون في الخطأ .." . ولكنه سرعان ما غيّر خط دفاعه، ربما أمام الانتشار الواسع جدا للفيديو، ليتوجه للتبرير الفج ولاظهار نفسه في مظهر الضحية الغافل حسن النية في مقابل مافيا اخطبوط عناصرها تمتد من الأمن الرئاسي إلى حزب المؤتمر من أجل الجمهورية!!

أعرف أن عبد الوهاب الهاني لم يكن يقصدني في شخصي، ولو كان معه أي شخص آخر وقال ما قلت لغيّر اسم "البطل" محافظا على السيناريو "الهوليودي" ذاته؛ ولو كان وحده في المشهد تلك الليلة لما وصلته "المعلومات السرية الخطيرة" التي أشار إليها. كل جرمي أنني شاركته المشهد وخالفته الطرح وصدقني الواقع. لذا قدّر أن استعادة جزء من مصداقيته يمر عبر كسر مصداقية "منافسه" حتى يشوش عملية المقارنة بين المواقف ويحدّ من الخسائر ..

أطلق الهاني كذبة كبرى ثم يبدو أنه صدقها، وصار يروج لها ليلا نهارا، ولكن أحدا آخر لم يصدقها. بل زاد الأمر في طينة الهاني بلة وورطه أكثر.

حقيقة لم أردّ على عبد الوهاب الهاني قبل اليوم لسببين: الأول تقديري أنني لم أكن مقصودا في شخصي وأن الافتراء الآثم الذي لحقني لم يكن سوى حبل نجاة موهوم لشخص سقط في الوحل.. والثاني بقايا تقدير لنضال جزء من عمر "صديقي" ضد الدكتاتورية .. ولكنني أردّ عليه اليوم علنيا لأنه تمادى ولم يتوقف عن الإيذاء، ثم لأنه لم يكفّ عن محاولة تصدر المشهد الثوري رافعا شعارات الأخلاق والمسؤولية والأمانة وغيرها.

وقد ارتأيت أن يكون رأيي على واجهتين: واجهة الرأي العام الذي اتجه اليه هو عبر فيديوهاته وأتجه أنا إليه اليوم عبر هذا النص؛ والثانية واجهة العدالة حتى يتحمل السيد الهاني، الذي يريد تحمل مسؤولية حكم البلاد بأسرها، مسؤولية افتراءاته .نعم سأحاكم السيد عبد الوهاب الهاني بتهمة الثلب، ليس لدافع انتقام شخصي لم أحمله تجاه من نفاني من وطني فكيف أحمله تجاه من شاركني ذات يوم محنة التهجير وشرف المقاومة. ولكنني أردت أن تكون هذه القضية "رسالة دلالة وعبرة حتى لا يتكرر المشهد مرة اخرى" كما قال الصحفي التونسي المعروف محمد كريشان لتوضيح سبب رفعه لقضية ثلب تجاه صحفي العار "عبد العزيز الجريدي". أردتها درسا حتى لا يستسهل أي رجل سياسي الافتراء على خصم مهما كانت درجة معاداته، خصوصا ونحن مقبلون على معارك انتخابية تتراءى حامية الوطيس ..  كما أردتها أيضا امتحانا لقضائنا للتأكد من أنه بدأ مسيرة التغيير المنشود نحو ضمان سيادة القانون ونحو لعب دوره كاملا في تطهير المجتمع من الانحرافات الأخلاقية والسلوكيات غير المشروعة.

  وأقول في الختام أن ثورة الكرامة في بلادنا تفرض على كل السياسيين اليوم القيام بواجبهم الاخلاقي الوطني في تنقية الساحة السياسية من كل الممارسات الشائنة وفي الاتفاق على ميثاق شرف يلزم الأحزاب والشخصيات المترشحة في مختلف الاستحقاقات الانتخابية القادمة احترام أخلاقيات التنافس النزيه .. حتى لا تتحول ساحتنا السياسية إلى فوضى غير خلاقة.

 عماد الدائمي

الأربعاء، 8 يونيو 2011

صدور كتاب المُهجَّرون التونسيون من هم؟

صدر كتابي "المُهجَّرون التونسيون من هم؟" الذي حاولت فيه تقديم خصائص الجسم المهجري التونسي ومعالم تجربته وفصول المعاناة التي عاشها المنفيون من وطنهم طيلة العقدين الماضيين وقصص نجاحاتهم ..وقد انتهيت حقيقة من انجاز العمل قبيل انطلاق الثورة ولكنني انشغلت عن اعداده وطباعته أثناء الثورة وبعدها وعدت إليه أخيرا دون أن أغير من محتوياته وملامحه حتى يعكس بأمانة المشهد النفسي والسياسي لمعشر المهجّرين قبل انتهاء محنة التهجير وتحقيق العودة الكريمة.
عماد

 

الإهــداء

*
إلى بذور الخير التي اقتلعتها الرياح العاصفة من أرضها ورمت بها بعيدا في تربة غير تربتها ... فأنبتت حيثما حلّت ناشرة حولها الوعي والأمل ... رغم الألم.

**
إلى روح شهيد المهجر د. محمد منصف السعودي وأرواح بقية الشهداء الأبرار الذين رفضت سلطات البلاد عودتهم أحياء يرزقون واستقبلتهم جثامين ملفوفة في علم الوطن ...

***
إلى روح شهيد المنفى قيس بلقاسم الذي رفض أن يعود جثمانه الطاهر إلى البلاد كي يبقى شاهدا على بشاعة جرم التهجير وعلى مرارة ظلم ذوي القربى ...

*********************************
مسافات

إن أسوأ ما نفعله هو أن نبقي على أرض معركة خسرناها، ولعل كتاب "المهجّرون التونسيون من هم؟" المنحاز للذين يرفضون مصادرة عطر الربيع، والموالين لمبدأ أن الكرامة لا تحتاج لبطاقة استئذان، حاول تغيير جغرافية الصمت الآثم، عبر استبيان أرضي غائص في أتربة المياه الجوفية للذاكرة، من أجل المساهمة في لملمة أشلاء الانتظار، ورجّ شيخوخة أنظمة لا تستوعب أحلام الجماهير، ليحرّك ازدواجية الحلم والتعب، ويجتهد في محاكاة مرحلة غبراء من مجلد الزمن الضخم الذي يضمّ تجارب الرجال، في اتجاه رسم مسافة ما بين غربتين.. فكان كتاب "المهجّرون التونسيون من هم؟" شكلا من أشكال التمرّد ضد الزمن العربي المالح، وضد أنظمة منع التجوّل الفكري، وحلما في لون العرق المستخرج من نواصي الذين يرفضون الاستكانة والسكون، ويؤمنون أن التاريخ المشرق لا يكتب بغير التعب والشجون، وأن الذاكرة الصاحية مقاومة ضد الفعل المهزوم...
الطاهر العبيدي


الأحد، 5 يونيو 2011

سوء إدارة أم سوء نية؟

على الرغم من اصرار "اللجنة المستقلة للانتخابات" على تأجيل الانتخابات بقرار منفرد لم تستشر فيه المجموعة الوطنية، لا زالت تواصل تنفيذ الأجندة القديمة للعملية الانتخابية التي حددها المرسوم 27 لسنة 2011 (بتاريخ 18 أفريل الماضي) أو لعلها بالأحرى تنفذ أجندة أخرى لا يعلمها إلا أصحابها في ظل بهتة تامة من كل الأطراف.

مساء الخميس الماضي أعلنت اللجنة عن فتح باب الترشحات للجان الجهوية، التي ستكون من مشمولاتها ليس فقط مراقبة سير العملية الانتخابية، بل أيضا دراسة القوائم المترشحة في الجهة وقبولها أو رفضها. الأمر يمكن أن يكون منطقيا بغرض الاسراع في الاستعداد لاستحقاق 16 أكتوبر القادم وهو التاريخ الذي فرضوه فرضا على البلاد. غير أن ما يثير العجب والريبة والاستغراب هو أن الاجل النهائي لتقديم الملفات هو يوم غد الاثنين 6 جوان. مع العلم أن هذا الاعلام لم يوزع على نطاق واسع كي يعلم به الجميع.
لدي احساس كبير بأن الموضوع يتعلق بلعبة خطيرة لتشكيل اللجان الجهوية بالشكل الذي يخدم مصالح أصحاب اللجنة. كما أن لدي يقين من أن أصدقاء اللجنة "المستقلة" من داخل اتحاد الشغل (الذين هم تقريبا الوحيدين الذين ينطبق عليهم شرط الخبرة في الانتخابات!!) ومن خارجها قد أعدوا قوائمهم وقدموا طلباتهم مباشرة اثر اعلان يوم الخميس الماضي .. وربما قبله!!
شخصيا لن أدعو أصدقائي الراغبين في القيام بالواجب الوطني في انجاح العملية الانتخابية للترشح .. لأنني فقدت الثقة تماما في "استقلالية" اللجنة "المستقلة" وحسن نواياها .. ولكنني أظل متفائلا بيقظة التونسيين وتحفزهم!
انظروا نص الدعوة الذي نشر مساء الجمعة على الساعة 19:28 للاعلان عن أن اخر أجل لتقديم الترشحات هو يوم الاثنين !!

عماد الدائمي


الأربعاء، 1 يونيو 2011

آن الأوان أن نعترف لكم

لم يكن حزب المؤتمر من أجل الجمهورية حزبا تقليديا بكل المقاييس. وهو ما يفسر الصعوبة الكبيرة التي يجدها الصحفيون والمحللون والمتابعون وحتى أعضاء الحزب ذاتهم في تصنيفه.
لم يكن حزبنا محدد المعالم إيديولوجيا، ولم نموقع أنفسنا يوما في يسار المشهد السياسي أو يمينه أو حتى وسطه. تنظيمنا لم يكن هرميا ولا أفقيا ولا عموديا، لأنه ببساطة لم يكن لدينا تنظيم أصلا (كخيار اخترناه منذ البداية لكي لا نمنح الدكتاتورية فرصة اختراقنا أو ابتزازنا بحرية بعض رفاقنا).. لم ننجز أي مؤتمر طيلة عمر الحزب ولا حتى مجلسا وطنيا ولا هيئة إدارية ولا غيرها. لم تكن لدينا فروع في جهات البلاد ولا خارجها. كان لدينا كاتب عام لا يعرف أنه الكاتب العام وأمين مال لم يجمع يوما مليما واحدا عدى المبالغ البسيطة التي كانت تخرج من جيوبنا المنهكة لإقتناء تذكرة أو اكتراء قاعة أو تسديد ثمن خدمة أو خلاص فاتورة هاتف مرعبة. كان لدينا موقعي انترنت من أبسط ما يكون شكلا وإخراجا، أنشأناهما بأيدينا الهاوية ولم نجرؤ يوما على تطويرهما لما يتطلبه ذلك من وقت وجهد خصصناهما لصد هجومات بوليس الانترنت، وإعادة البناء بعد كل عملية قرصنة. لم يتجاوز عددنا في فترات الرخاء والازدهار أصابع اليدين، وتناقص في فترات الشدة والتقهقر إلى أقل من أصابع اليد الواحدة.
ولكن، كانت لدينا رؤية سياسية ثاقبة لم تشوش عليها مطامع شخصية أو مصالح حزبية أو فئوية، وتحليل صائب لطبيعة النظام الحاكم وأسباب تغوله ومؤشرات هشاشته، وثقة كاملة في شعبنا وقدراته الكامنة على تغيير الأوضاع، ويقين في تحقق السنن التاريخية بعد دراسة تجارب الشعوب التي انتفضت على الدكتاتورية، وإدراك تام لدورنا التاريخي الذي لا يمكن لغيرنا أن يلعبه، وتسليم بقدرنا أن نضحي ونتعب و"نهرم من أجل لحظة تاريخية" كانت الأغلبية العظمى تراها حلما مستحيل التحقق وفي أحسن الأحوال بعيد المنال، وكنا نراها رأي العين.
كما كانت لدينا "حفنة" من المناضلات (معذرة واحدة فقط ولكنها كألف هي مدرسة القيم والنضال "أم زياد") ومن المناضلين من طينة نادرة وصمهم الأعداء بالاختبال والجنون، والأصدقاء بالتنطع والتجنيح على الواقع والدنكشوتية وعدم المسؤولية، وعامة الناس بالتهور والانتحارية وعدم مراعاة ميزان القوى. نالوا جميعهم من أذى السلطة المتجبرة الكثير، من سجن وتنكيل وتعنيف وتهجير وتشويه أخلاقي وانتقام جبائي وحصار في الرزق وقضايا مفبركة ومحاولات تصفية... ولكنهم ظلوا واقفين متحدّين وأسهموا بدور كبير في تجرئة الشارع على السلطة وهرمها ومحيطه الفاسد، وجرجرة بقية مكونات الساحة النضالية إلى مواقف أكثر راديكالية وقطيعة معهم.
كان هذا حالنا طيلة العشرية التي خلت منذ عشية التأسيس حتى فجر الثورة: طاقات بشرية محدودة، ووضع مادي يقترب من الصفر يكاد يمسّه، وهيكل ضعيف ولكن يقين وثقة وأمل وعزّ وعزيمة وبصيرة وروح معنوية عالية وسمعة طيبة لدى القاصي والداني.
نسينا ليلة الرابع عشر من جانفي/يناير الماضية كل الأتعاب والأهوال والعراقيل .. ولم تحتفظ ذاكرتنا وتاريخنا إلا بال"لكن" المذكورة أعلاه .. وانطلقنا منذ تلك اللحظة في مرحلة جديدة بروح جديدة في اطار بشري وهيكلي ومادي يتمدد بسرعة فائقة .. ولكن دائما بنفس الروح المعنوية ونفس القيم .. والثقة واليقين والبصيرة...
الى اللقاء في الحلقة القادمة.
نشر المقال في العدد الأول من نشرية حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي صدر في غرة جوان 2011

الاثنين، 23 مايو 2011

لا نزال قادرين على الحفاظ على موعد 24 جويلية


تعلّل السيد المحترم كمال الجندوبي رئيس اللجنة العليا المستقلة للانتخابات بأسباب تقنية يستحيل معها إنجاز انتخابات المجلس التأسيسي في موعدها يوم 24 جويلية القادم وهو الموعد الذي حُدّد منذ قرابة الثلاثة أشهر. ولم يوضّح السيد الجندوبي للتونسيين تفصيل تلك العوائق التقنية ولا الجهات المسؤولة عنها، وهو ما يمكن مؤاخذته عليه. غير أنه يبدو من خلال تلميحاته أن الأمر يتعلق بعدم ثقة في القدرة على انجاز كل المهمات التحضيرية للانتخابات في الستين يوما المتبقية عن الموعد في ظل صعوبات تنظيمية جمة ونقص في الموارد البشرية.

وبدون الدخول في النقاش الدائر حول أهلية لجنة الجندوبي لتغيير الموعد المحدد لها، فإنني أعتقد أن كل الصعوبات التي أشار إليها سي كمال هي قابلة للتجاوز والحلّ إن توفرت الإرادة والعزيمة وكفاءة الإدارة. ولدينا في تونس الآلاف من الكوادر والطاقات المتحفزة والمستعدة للعمل ليلا نهارا من أجل إنجاح المسار وكسب التحدي.

وإن احتجنا لخبرات متخصصة في التنظيم الانتخابي، باعتبار انعدام التجربة في بلادنا منذ تأسيس الدولة الحديثة، فلا حرج إطلاقا، ولا مناص، من الاستعانة بملاحظين أو مراقبين أو حتى مشرفين أجانب، لا نريدهم من دول الهيمنة الامبريالية التي تورّطت في دعم الدكتاتورية في بلادنا، بل من دول شقيقة وشعوب صديقة لها باع في تنظيم الانتخابات النزيهة مثل الدول الاسكندينافية أو دول أمريكا اللاتينية أو جنوب إفريقيا أو الهند أو غيرها.
ستّون يوما هي فترة كافية جدا لإعداد انتخابات، لذلك اعتمدها الدستور التونسي وعدد من الدساتير الأخرى كأجل أقصى لتنظيم الانتخابات في حالة وفاة الرئيس.

لذلك أدعو الحكومة لرفض مقترح اللجنة العليا ولإقرار موعد 24 جويلية، كما أدعو السيد كمال الجندوبي بلطف إلى الاستقالة من رئاسة تلك اللجنة وترك الإشراف عليها لمن لديه خبرة إدارية أكبر وجرأة سياسية واستعداد ذهني وبدني لجهد مستمر ومتواصل طيلة الشهرين القادمين حتى لا تضيع تونس موعدها مع التاريخ ومع استعادة الشرعية، وحتى تعود لشعبنا العظيم الذي تقاذفته أمواج الحسرة على تعثر المسار والخوف من انتكاسة الثورة بسمة الأمل.

عماد الدائمي
العضو المؤسس لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية

الأحد، 22 مايو 2011

برنامج على فرانس 24 : لماذا تشدد تونس الرقابة على الإنترنت؟



ضيوف البرنامج : عماد الدائمي (إعلامي تونسي معارض) / الاستاذ محمد بلوط (صحفي من لبنان) / صادق حجي (صحفي من
المغرب)

وعبر الهاتف : بوبكر الصغير من تونس

مع العلم أن برهان بسيس تهرّب من المشاركة في آخر لحظة دون اعتذار رغم تأكيده للحضور 5 دقائق قبل الحلقة.

تعرف تونس تزايدا ملحوظا في عمليات حجب مواقع الأنترنت، وأصبح الحجب يطال مواقع هيئات إعلامية دولية كبيرة مثل "الجزيرة نت" و مجلة "لونوفيل أوبسارفاتور" الفرنسية، إضافة إلى مواقع اجتماعية ذات شعبية عالمية مثل موقع "فليكر" و"وات تي في".

الجزء الأول :

http://www.france24.com/ar/20100520-tunisia-internet-journalism-censorship-club-press

الجزء الثاني :

http://www.france24.com/ar/20100513-tunisia-internet-web-journalism-censorship-club-press

السبت، 2 أبريل 2011

حوار مع جريدة الشروق التونسية



قيادي في حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة لـ«الشروق»: هدفنا فضح ممارسات النظام البائد

٭ أجرى الحديث: خالد الحدّاد

٭ تونس ـ «الشروق»:


ما تزال مطارات البلاد وموانئها تشهد عودة متواصلة للعديد من الوجوه السياسيّة والحقوقيّة التي عرفت المنفى على مدار سنوات طويلة نتيجة حالة الانغلاق السياسي الّتي كانت تطبع وبامتياز حقبة حكم الرئيس السابق.
مُجالسة البعض من هؤلاء العائدين، يمنحك فرصة استكشاف العديد من المعطيات والحقائق، «الشروق» تتحدّث اليوم مع السيّد عماد الدائمي، وهو من الشباب الطلابي الّذي غادر تونس بداية تسعينيات القرن الماضي نتيجة الهجمة التسلطيّة والقمعيّة للنظام السابق على الحركة الطلابيّة والحركة الإسلاميّة والتي كان مُحدّثنا أحد رموزها.
الحديث تطرّق إلى العديد من المحاور والملفات، ناهيك عن تقديم فكرة ضافية عن تأسيس أحد الأحزاب السياسية في المهجر وهو «حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة» والّذي يقوده الوجه السياسي المعروف السيّد منصف المرزوقي، هذا الحزب الّذي باشر منذ تأسيسه سنة 2001 في صياغة أجندة قادحة وجريئة تجاه النظام السابق ورموزه عبر مقولته الشهيرة «إنّ هذا النظام لا يصلح ولا يُصلح»، في ما يلي نصّ الحديث:

٭ كيف تقدّمون أنفسكم لمن لا يعرفكم؟

ـ أنا اليوم سعيد وفخور أن أعرّف نفسي بأنّني مواطن تونسي، مواطن استعاد مواطنته المسلوبة في سن الأربعين، بعد عشرين سنة من التهجير القسري خارج أرض الوطن، عشرون سنة كاملة حُرمت فيها من وثائقي الإدارية التونسية، ومن حقي في رؤية أهلي وأحبّتي وتقبيل تربة بلدي، ناهيك عن حقي في الإسهام بجهدي المتواضع في بناء مستقبل وطني من داخل حدوده. غادرت تونس مكرها في أول التسعينات بعد أن عرفت الاعتقال والتعذيب والسجن والملاحقة مجددا بسبب أنشطتي النقابية والسياسية الطلابية. ثم انطلقت في أرض الله الواسعة في رحلة البحث عن مأمن في انتظار العودة للوطن، مرورا بليبيا ثم موريطانيا، حيث علقت لسنوات عديدة بدون هوية بعد احتجاز السفارة التونسية لجوازي، ثم السنغال التي غادرتها إلى أوروبا في مغامرة لم تكن مأمونة العواقب، ولكن الله سلّم. وبعد حصولي على حق اللجوء السياسي في باريس واصلت دراساتي العليا في اقتصاد التنمية، ثم حوّلت وجهتي إلى الإعلامية، حيث أعمل اليوم كخبير في الأنظمة المعلوماتية لدى مجموعة دولية بارزة. وقد انخرطت حال وصولي لأوروبا في الجهد الحقوقي للدفاع عن المساجين وفضح ممارسات النظام البائد، وفي العمل الفكري الأكاديمي صحبة أصدقاء لي أخص بالذكر منهم صديقي العزيز الدكتور سليم بن حميدان، تحليلا لأوضاع البلاد ومتابعة لكل ما يكتب حولها ومواكبة لمسارات العولمة، وفي العمل الإعلامي عبر تأسيسي لعدد من المواقع على شبكة الأنترنت كان أولها موقع «تونس2004» ومنتدى «نكتة» للنكت السياسية التونسية. ثم انتقلت رفقة الأصدقاء ذاتهم للعمل السياسي حيث أسسنا مع صديقنا المنصف المرزوقي وبقية الزملاء في تونس حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية».

٭ لو تحدّثنا عن منطلقات حزب «المؤتمر من أجل الجمهوريّة» ودواعي تأسيسه؟

ـ أقدمنا على تأسيس حزب «المؤتمر» في سنة 2001 بعد أن وصلنا جميعنا إلى قناعة مفادها أن العمل الحقوقي لا يمكن إطلاقا أن يغير النظام الدكتاتوري القائم، وأن البلاد كانت في أشد الحاجة إلى حزب طلائعي يصعّد الخطاب والممارسة النضالية تجاه النظام، ويجرّئ المجتمع التونسي نخبة وعامة على رموز السلطة، ويطرح شعارات التغيير الحقيقي دون حسابات أو اعتبار لموازين القوى، ويسعى إلى تجميع قوى المعارضة الحقيقية على اختلاف أطروحاتها وإيديولوجياتها من أجل خوض معركة المقاومة تجاه سلطة 7 نوفمبر. وقد جاء الحزب ليلبي حاجة حقيقية في الساحة السياسية حيث كانت حركة النهضة، كبرى حركات المعارضة، لا تزال منهكة من حملات القمع والاستئصال المتواصلة، وغارقة في محاولات ترتيب بيتها الداخلي المتصدع، كما كانت بقية الأطراف متدنية السقف السياسي وغير قادرة على تجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها النظام بما في ذلك على العمل المشترك مع الإسلاميين والأطراف «الراديكالية».

٭ هناك من يتساءل: ما الذي جمعك أنت المعروف بتوجهاتك الإسلامية مع الدكتور المرزوقي المعروف بخطه العلماني في نفس الإطار؟

ـ عندما علمتُ، وأصدقائي الذين يشاركونني نفس التوجهات الفكرية العروبية ـ الإسلامية، بنيّة الدكتور المرزوقي وثلة من المناضلين تأسيس حزب سياسي، بادرنا بالاتصال به وعرضنا عليه توحيد الجهود والعمل مع بعضنا البعض من أجل تقديم نموذج جديد للالتقاء بين مختلف مكونات مجتمعنا من أجل تحقيق هدفنا المشترك وهو القضاء على الدكتاتورية وإرساء الجمهورية التي يتعايش فيها الجميع. وقد لقينا لديه ولدى بقية المؤسسين الترحاب والقبول. وأدرنا مشتركين حوارا عميقا وجادا حول أهم النقاط الخلافية وصلنا فيه إلى نقاط التقاء حبرناها في نصوصنا التأسيسية وبياناتنا. وقد اخترنا منذ البداية أن يكون الحزب غير إيديولوجي ومنفتح على كل الإيديولوجيات، واشترطنا للعضوية فيه الانفتاح والقبول بالآخر. وركزنا في كتاباتنا وعملنا على الكثير المشترك وعلى أهدافنا السياسية السامية. وقد اعترضتنا في البداية بعض المشاكل أساسا من طرف أعضاء لم يفهموا فلسفة الإلتقاء، أو من طرف متابعين ذهب متطرفوهم إلى تكفيري وبقية أصدقائي من ذوي «التوجه الإسلامي»، أو إلى «أسلمة» المرزوقي واتهامه بخدمة أجندة النهضة. غير أننا تجاوزنا تلك المشاكل بكثير من الحكمة، وأسسنا لعلاقات ودّ وثقة وتكاتف يندر وجودها على الساحة. وأحسب شخصيا أن «المؤتمر» كان مدرسة نضالية وأخلاقية تعلّمنا فيها جميعا قيم التعايش والتآزر خصوصا في ظل وجود قمم أخلاقية ومناضلة مثل الأخت نزيهة رجيبة (أم زياد) والأساتذة عبد الرؤوف العيادي وعبد الوهاب معطر ومحمد عبو وغيرهم من الأعضاء.

٭ تقولون إنكم تقاربتم كثيرا فكريا وأن حزبكم غير إيديولوجي، ولكننا نسمع من حين لأخر من الدكتور المرزوقي مواقف إيديولوجية علمانية صريحة من مثل موافقته أخيرا على مطلب «المساواة في الإرث بين النساء والرجال»، فما رأيكم في هذه المسألة؟

ـ التقارب الفكري الذي حصل بيننا هو أمر حقيقي تؤكده العلاقة الأخوية التي تجمعنا على أساس الاحترام المتبادل كما تؤكده النصوص التأسيسية لحزبنا التي تنص على هوية عربية إسلامية للحزب وعلى نظام «الحكم المدني» كأساس لحكم البلاد، وغير ذلك من المبادئ والقيم المشتركة. غير أن كل ذلك لا يعني أن يتخلّى كل منا عن قناعاته الشخصية العميقة. من هذا المنطلق أحترم رأي الدكتور المرزوقي في مسألة «المساواة في الإرث» المنبني على خلفيته الإنسانية الحقوقية، وأختلف معه باعتبار أن «الإرث» هو جزء من منظومة اجتماعية متكاملة وعادلة أنزلها المشرع الحكيم ولا يمكن أن يحوّر هذا الجزء بمعزل عن القضايا المتعلقة كالزواج والمهر والنفقة والطلاق وغيرها. وربما اختلفنا في بعض القضايا الجزئية الأخرى، ولكن القواسم المشتركة بيننا لا تحصى ولا تعدّ. ولدينا في حزب المؤتمر آلية ديمقراطية لاتخاذ القرارات وحسم الخلافات تعتمد الحوار الجاد والتصويت النزيه والقبول بالقرار الجمعي.
أما في خصوص الاتهامات التي تكال جزافا للدكتور المرزوقي بالإلحاد ومعاداة الهوية والانتهازية في التعامل مع الإسلاميين، فيمكن لي أن أؤكد من باب الشهادة وإحقاق الحق، أن فيها الكثير من الإجحاف والظلم للرجل الذي دافع عن هوية الشعب، والذي ظل طيلة العقدين الماضيين يدافع عن الإسلاميين أمام اضطهاد سلطة 7 نوفمبر، وأمام إقصاء جزء من النخبة السياسية المعارضة لها. وأعتقد أن تلك الاتهامات هي جزء من حملة مغرضة هدفها الأول تشويه الرجل وإفقاده شعبيته الكبيرة التي اكتسبها من نضالاته ومن خطابه الجريء ودعوته للثورة منذ سنوات عديدة، كما تستهدف الحملة من وراء المرزوقي حزب المؤتمر وما يمثله من أمل في الفوز بثقة الشعب في الاستحقاقات الانتخابية القادمة.

٭ ما هي حظوظ حزبكم في الفوز في الاستحقاقات الانتخابية القادمة في ظل الوفرة الكبيرة للأحزاب؟

ـ أولا أعتبر شخصيا أن وفرة الأحزاب مؤشر ايجابي على نضج شعبنا واستعداده للتنظم والمشاركة السياسية. ولا شك أن هذا المشهد الانتقالي سيتغير كثيرا خلال السنوات القادمة، وسيتطور طبيعيا نحو التكتل والتوحد في أطر حزبية كبرى ذات هويات وبرامج وتنظيمات جامعة.
أما في المشهد الحالي فما يميز حزب المؤتمر ويدعّم حظوظه في نيل ثقة نسبة معتبرة من التونسيين عوامل عدة أهمها: التاريخ النضالي للحزب ومؤسسيه الذين ظلوا طيلة عقد كامل رأس الحربة في مقاومة شعبنا ضد الدكتاتورية وفي مشاريع تجميع المعارضة وتكتيلها، وعدم التورط إطلاقا لا من قريب ولا من بعيد، قبل الثورة وبعدها، في التعامل مع النظام المتسلط على حساب الشعب. كما أن حزبنا يتميز بالانفتاح الإيديولوجي ويقدم لشعبنا خبرة عقد كامل من التعايش والالتقاء رغم الاختلافات. كما يتميز أيضا بانفتاحه على الشباب الوطني، الذين رفضنا أن نؤسس لهم أمانة خاصة بهم وأشركناهم في إدارة كل مؤسسات الحزب وفي صياغة برنامجه وأدبياته. وأعتقد جازما أن لدينا كل الحظوظ لنيل ثقة شعبنا ضمن تحالف واسع يشمل القوى المدافعة عن هوية شعبنا والمحافظة على أهداف ثورتنا المجيدة. ونحن الآن بصدد التشاور والتنسيق مع شركائنا في الساحة الوطنية من أجل ضمان تتويج هذه المرحلة الانتقالية بانتقال ديمقراطي حقيقي يؤسس لتجربة رائدة ستكون مثالا يحتذى للعالم أجمع.

٭ أنت الآن موجود بتونس بصفة وقتيّة ، فهل تنوي العودة للبلاد من أجل المشاركة في الحياة السياسية هنا، وكيف سيكون دور المهجرين في المرحلة القادمة؟

ـ أذكّر أوّلا أنني لم أختر الهجرة خارج تونس بل فرضت عليّ، مثلي مثل آلاف التونسيين من مختلف التوجهات الفكرية والفئات العمرية. وقد ظللنا طيلة العقدين الماضيين سندا لكل نضالات شعبنا داخل البلاد، وخضنا المعارك الحقوقية والإعلامية ضد الدكتاتورية، وساهمنا في تعرية النظام وإفقاده الكثير من شرعيته وسنده الدولي، إضافة إلى الإنجازات الجبارة التي تحققت في مجال العناية بالجالية والدفاع عنها في كل مكان. ثم إلتفتنا منذ سنوات معدودة لحقنا في العودة لبلادنا، وأسسنا منظمة دولية تنادي بالعودة الكريمة والآمنة وغير المشروطة، أتشرّف اليوم بمهمة منسّقها.
وقد جاءت الثورة المباركة لتحررنا من أسر التهجير وتعيدنا لوطننا في أجواء فرح وبهجة شملت كل البلاد من بنزرت إلى ذهيبة. الآن وقد رُفع سوط التهجير المفروض، فإن مسألة العودة ستصبح خيارا فرديا، لكل فرد حق اتخاذه من عدمه وتوقيت ذلك وشروطه.
أما بالنسبة لي شخصيا، فكلّي قناعة بضرورة العودة النهائية للمساهمة بجهدي المتواضع في الحراك الدائر وفي جهود التأطير والتأسيس ومشاريع التقارب، وأنا الآن عاكف على إعداد شروط عودتي ، وللمعلومة فإنني الآن بصدد طباعة كتاب يعرّف بالمهجّرين ويشرح لعموم التونسيين معالم تجربتهم ورؤاهم ونظرتهم لمسألة العودة وغيرها من المسائل.
وفي الختام أتوجه مجددا بالتحية إلى شعبنا الأبي الذي حرّر بلادنا من الطغيان وحرّرني وإخوتي المهجّرين من التهجير المفروض. إن شعبا صنع مثل هذه الثورة الخالدة لهو قادر على صنع المستقبل المزهر لتونس الغالية.

وقفة ـ الهيبة الزائفة

عاد جزء من شباب الثورة اليوم إلى ميدان القصبة.. عُزّلا مسالمين لا سلاح لهم سوى إرادتهم وإيمانهم بعدالة مطالبهم التي يتفق مع أغلبها جلّ التونسيين.
ارتفعت أصواتهم الهادرة بنشيد إرادة الحياة وبشعارات العزة والكرامة والعدالة.. وفي المقابل ارتفعت في وجوههم هراوات البوليس السياسي وعصيّ قوات "مكافحة الشغب" أو بالأحرى "مكافحة الشعب". وهي قوات أرسلتها حكومة وقتية مؤقتة.. نسيت بسرعة أو تناست أنها جاءت للوجود نتيجة اعتصام سابق للشباب ذاتهم في القصبة ذاتها.. لتفرض عليهم.. وعبرهم على كل التونسيين "هيبة" زائفة..
اختنق المعتصمون بغاز "الهيبة" وسالت دموعهم، كما سالت دماء قلّة منهم أصابتهم "الهيبة" إصابات بالغة.. وجاء ذلك العنف غير المبرّر ليبرّر الاعتصام الجديد، ويعطي المشروعية للمطلب الرئيس بالإلغاء الفعلي والنهائي لجهاز البوليس السياسي.. والقطع التام مع ممارسات العهد البائد .. ومع تصوّر بائد "للهيبة" يصوّرها في تضادّ وتنازع مع سيادة الشعب.
يا أيّها الذين آمنوا بالمواطنة والعدل والحرّية: لا هيبة لدولة تقمع شعبها.. ولا كرامة لشعب يقبل أن يُقمع قطاع منه ولو لم يوافقه المنهج.. ولا شرعية لحكومة تحاول فرض "هيبة" موهومة بأيادي غير نظيفة.

الثلاثاء، 1 فبراير 2011

التاريخ لا ينسى

رسالة إلى الثوريين الجدد ..




إلى الذين ظلوا طيلة عشرين سنة أبواقا إعلامية تسبّح بحمد الزعيم الملهم وتسوّق لانجازاته الوهمية وتلمّع صورته وصورة زوجته وأصهاره ..
إلى الذين ظلوا طيلة أعمارهم يغالطون الشعب التونسي ويكذبون عليه ويحاولون تخديره وتجهيله وإغراقه في التفاهات وإبعاده عن الشأن العام ..
إلى الذين ظلوا طيلة عقدين كاملين يهاجمون الوطنيين الشرفاء في وطنيتهم ويشوّهون شرفهم ويحرّضون عليهم ويبرّرون قمعهم ..
إلى الذين ظلوا حتى صباح الرابع عشر من جانفي/يناير يصفقون ويباركون وينوّهون ويهنئون ويستبشرون .. وينافقون ..
ولا ننسى أولئك الذين تعذّبوا وتشرّدوا وسُجنوا وقُمعوا... ثم انقلبوا في آخر المطاف، ويا خيبة المسعى، على تاريخهم النضالي بدعوى الواقعية والعقلانية، فانبطحوا وانحدروا وانضموا إلى جوقة المناشدين والمساندين والمباركين...
إلى كل هؤلاء ومن شابههم نقول..
اصمتوا .. اخرسوا ..
لا تشوّهوا ثورتنا المباركة .. ولا تتكلّموا باسمها أو باسم شعبنا العظيم الذي ينبذكم ويحتقر نفاقكم.
لن تستبلهوا شعبنا الواعي المتيقظ بثورجيتكم المصطنعة وحماسكم المفرط وألفاظكم الحادة تجاه معبودكم الفار وولي نعمتكم قبل أيام خلت ..
احترموا أنفسكم .. وابتعدوا عن المشهد ونعدكم بأننا سننساكم ونتجاهلكم...
أما إذا أصررتم على سلوككم الحربائي المشين .. وعلى عنتريتكم الزائفة .. وسعيكم المحموم لترقيع عذرية مفقودة .. مراهنين على تعب الذاكرة .. ونسيان التفاصيل ..
فسيكون الأحرار لكم بالمرصاد ..
وسينشرون كل ما تقيأته أقلامكم وأفواهكم قبل أن تهتدوا مجبرين إلى الفكر الثوري .. و"تقلبوا الفيستة" .. حتى تعرف حقيقتكم المخزية الأجيال القادمة .. أمّا الجيل الحالي فيعرفكم .. ويحتقركم ...
"قاله بابا وقتاش نوليو شرفاء قاله حتى يموتوا كبار الحومة"!

الثلاثاء، 21 ديسمبر 2010

تحية وفاء واعتبار للشهيد قيس بلقاسم في ذكرى وفاته الثالثة

تمر اليوم، 21 ديسمبر 2010، الذكرى الثالثة لوفاة صديقي وأخي "قيس بلقاسم"، الرجل الصامد الثابت، الذي كان يواجه المصائب والابتلاءات بالبسمة الهادئة والحكمة الصامتة والسكينة والتعفف وعزة النفس ..

شرّد من البلاد في أول التسعينات وكان طالبا، دون أن يقترف ذنبا يستجوب النفي والتنكيل. وتنقل من بلد لآخر في ربوع إفريقيا، للدراسة أولا ثم للعمل في المؤسسات الخيرية الاغاثية، في انتظار صحوة ضمير لمقترفي كبيرة التشريد لم تأت أبدا ..

واجه مرضه بصبر ورباطة جأش أسطوريين. انتقل بعد جولات علاج في المغرب إلى اسطنبول، في طريقه إلى دولة أروبية، للجوء السياسي والمعالجة ..

ولكنه أدرك بيقين المؤمن أن قدر الله اقترب .. فاختار البقاء هناك في الأستانة .. ورفض بشدة فكرة السعي للعودة للموت في أرض الوطن .. بل أوصى بإلحاح الواثق بأن يدفن في اسطنبول وأن لا يعاد جثمانه إلى حيث أهله وذويه .. كي يبقى شاهدا على بشاعة جرم التهجير وعلى مرارة ظلم ذوي القربى.

رحمك الله أخي "قيس"، عشت عزيزا ومتّ كريما، وخلفت لمعشر المهجرين عبرة من ذهب .. لمن كان له عقل وقلب.

ليس حب الوطن في العودة اليه مطأطأ مرتجفا ... بل حب الوطن في العودة اليه عزيزا كريما: حيّا مرفوع الهامة رافعا لشارة النصر، أو جثمانا قرير البال ملفوفا في علم الوطن، أو ذكرا طيبا وعبرة للاجيال القادمة واسما على لوحات شوارع مدن البلاد وقراها ذات يوم يعود فيه المهجرون جميعهم، دون استثناء، الى ترابهم .. وتعود فيه الكرامة والعزة للتونسيين ..
يرونه بعيدا ونراه قريبا!

عماد الدائمي

)الصورة التقطتها في زيارة لمدينة اسطنبول في يونيو/جوان الماضي

الأحد، 12 ديسمبر 2010

حوار على صفحات الموقف ليوم الجمعة 10 ديسمبر 2010


عماد الدائمي، مهندس وخبير في أنظمة معلوماتية، واحد من الوجوه المهجرية البارزة، وهو منسّق «المنظمة الدولية للمهجّرين التونسيين » بعد ان ترأس المؤتمر لأول للمنظمة الذي انعقد بجينيف يومي 21 و 22 جوان 2009 . مهجّر عن تراب الوطن منذ نوفمبر 1991 وله كتاب «المهجّرون التونسيون: من هم؟ » الذي سيصدر في الأيام القريبة القادمة في باريس.


1-  كيف تقيمون أداء المنظمة الدولية للمهجرين بعد عام ونصف من تأسيسها، وهل ُتقدرون أنها حققت خلال الفترة الماضية ولو جزءا من الأهداف التي من اجلها أنشئت؟

إن تأسيس "المنظمة الدولية للمهجرين التونسيين" والزخم الكبير الذي واكب التأسيس وتلاه كان في حد ذاته إنجازا كبيرا للجسم المهجري التونسي الذي ظل طيلة عقدين كاملين رافدا لكل نضالات الوطنيين داخل البلاد وداعما لكل قضاياهم العادلة دون أن يلتفت لقضيته المباشرة قضية العودة للبلاد بعد طول تهجير.
وقد تمكنت المنظمة، بفضل تكاتف أعضائها وإيمانهم بعدالة قضيتهم وتحليهم بروح المسؤولية، من تجاوز الصعوبات والعوائق الذاتية والموضوعية التي كادت تعصف بها إثر ولادتها. وهي اليوم تتقدم بخطى متسارعة على درب إنجاز الأهداف التي اُنشئت من أجلها وتنزيل خطة العمل المتدرجة التي حددتها على هدي من مقررات المؤتمر التأسيسي وتوصيات الهيئة الادارية. حيث استكملت بناءها الداخلي، ثم توجهت الى الرأي العام المهجري تأطيرا وإقناعا بالمشروع وبجدوى العمل المنظم المشترك من أجل تحسين شروط العودة ووقف مسار الابتزاز والمساومة المعتمد من قبل المصالح القنصلية والأمنية. وتوجهت اثر ذلك الى الرأي العام الوطني والعربي والدولي تعريفا بالقضية وتحسيسا بعدالتها، واكتسبت تعاطفا واسعا داخل الوطن وخارجه. وقد أطلقت المنظمة أخيرا مرحلة جديدة هي مرحلة العمل الميداني المدعوم بتغطية اعلامية مكثفة من أجل التصدي للممارسات الابتزازية والمطالبة بحل عاجل وشامل لوقف المظلمة. ولا شك عندنا أن تحسين شروط العودة نسبيا، خلال هذه الصائفة، والتقليص من المضايقات للعائدين حديثا، إنما تيسر بفضل مجهوداتنا جميعا في التعريف بالقضية والإستنفار لها.
بقي أن أشير الى هدف آخر بدأت المنظمة تحقيقه ونأمل أن تتقدم فيه أشواطا أكبر في المدة القريبة القادمة هو هدف الحفاظ على ذاكرة المهجر، وتقديم خلاصات التجربة المهجرية التونسية ودروسها ورواياتها لعموم التونسيين وللأجيال القادمة.

2 - البعض يرى أنها فقدت الكثير من الزخم الذي رافق لحظة انبعاثها، هل توافقون هذا الرأي؟

لا شك أن المنظمة فقدت في مخاض التكوين والبناء بعضا من زخم التأسيس، حيث اصطدمت الاحلام والطموحات العظام التي ولّدها حدث المؤتمر التأسيسي المتميز (الذي حضره أكثر من 150 مهجّرا تونسيا قدموا من القارات الخمس) بصعوبات التنزيل في أرض واقع شديد التعقيد، وعلى أيدي فاعلين متعددي الرؤى والتصورات، ومتنوعي المشارب السياسية والفكرية، ومختلفين في الكثير من الأمور ولكن مجتمعين على ضرورة إيجاد حل عادل يكفل عودة آمنة وكريمة لكل المهجّرين. وقد كان السلوك الطبيعي أن انكفأت المنظمة الوليدة على نفسها طيلة أسابيع عديدة من أجل إتمام بناء هياكلها وحل مشاكلها وضمان وحدتها، قبل أن تعود من جديد للفعل الخارجي وتنفيذ خطة العمل واصدار المواقف. وهو ما أنتج حالة من الترقب لدى عدد من المهجّرين والمتابعين خارج البلاد وداخلها. ولكننا نجزم اليوم أن المنظمة هي بصدد استعادة زخم التأسيس بنسق متسارع في ارتباط بتقدمها في تحقيق الأهداف التي تأسست من أجلها.

3 – هناك من يرى أن الخلافات التي جرت داخل المنظمة أثرت على أدائها كيف تردون على ذلك؟ وما هي طبيعة هذه الخلافات، هل هي شخصية أم هي تتعلق بالتوجهات والتصورات العامة التي يجب أن تقود المنظمة؟

لا ننفي أن آداء المنظمة الخارجي تأثر كثيرا في البداية بالاختلافات في التقدير التي هي أمر طبيعي في العمل الجمعوي. ولكن الأكيد أن تلك الخلافات لم تكن ذات صبغة شخصية، كما لم تتعلق بالخط العام والتوجهات الكبرى للمنظمة التي حددها المؤتمر بوضوح. بل كانت متعلقة بتصورات شكل ادارة المنظمة. وقد حُلّ الخلاف، عبر الهيئة الادارية، بشكل حضاري تميّز بكثير من المسؤولية والحكمة في التعامل. وانتقلت المنظمة اثر ذلك إلى الفعل والحراك.

4 - ما هي ابرز التحديات والعوائق التي واجهتكم خلال الفترة الماضية؟

لقد كان التحدي الأكبر الذي واجهنا منذ تأسيس المنظمة هو الحفاظ على التوازن الصعب في الخطاب بين سلوك المطلبية والتدرج مع تجنب التصعيد والتشنج من ناحية، وبين الضغط والإحراج والدفاع عن الثوابت والمبدئية من ناحية أخرى. ونحسب أن خطابنا تطور تدريجيا بالممارسة والنقد البناء من قبل زملائنا في المنظمة وعموم المهجّرين والمتابعين.
أما عن أبرز العوائق التي تعرضنا لها فأذكر عائقين رئيسين: الأول هو عدم تفاعل السلطة مع مطالبنا العادلة، رغم كل الخطوات التي قمنا بها تجاهها. حيث قمنا بحملة مراسلات مكثفة إلى الجهات الرسمية من أجل المطالبة بحل القضية وطي صفحة الماضي شملت السادة رئيس الجمهورية والوزير الأول وزراء الخارجية والعدل والشؤون الاجتماعية، ورئيسي البرلمان ومجلس المستشارين، وقرابة الخمسين نائبا من نواب البرلمان، إضافة لمراسلة أغلب السفراء والقناصل التونسيين في العالم. ولم نلق لحد الان أي ردّ، مما يؤشر على غياب أي إرادة سياسية لوقف نزيف الغربة المفروض على أكثر من ألف تونسي في مشارق الارض ومغاربها، ولوقف أساليب الابتزاز السياسي والأمني والمالي التي تمارسها بعض المصالح القنصلية تجاه بعض الراغبين في "تسوية الوضع الاداري" والعودة للبلاد. ولو توفرت الارادة السياسية لتم حلّ القضية في أسابيع معدودة. وقد عبرنا مرارا عن استعدادنا للحوار والتفاوض لا على حقنا المقدس في العودة بل على آليات تنزيل ذلك الحق وجدولته.
أما العائق الثاني وهو متعلق بالأول، فيتمثل في يأس العشرات من المهجّرين التام من أي امكانية للعودة في ظل الوضع السياسي الحالي وعدم ثقتهم في أي ضمانات قد تعد بها السلطة، وهو ما يجعلهم غير معنيين بأنشطتنا.

5 –  من المؤاخذات التي توجه إلى المنظمة هيمنة لون سياسي معين عليها، كيف تردون على هذه المؤاخذات؟

يكفي اليوم النظر لتركيبة المكتب التنفيذي للمنظمة للتأكد من أن هذه الفرضية خاطئة ومجحفة. حيث أنه يضم أعضاء ممثلين لأغلب مكونات الطيف السياسي المعني بمأساة التهجير كما يضم مستقلين. والمكتب ليس إلا إفرازا للفسيفساء المشكّلة للجسم المهجري التونسي الثري بتعدده وتنوعه. ولعل هذا التوازن والتمثيل هو سرّ الإجماع الوطني الذي تحقق حول قضية عودة المهجّرين في الفترة الأخيرة.

6 –  بين من يدعون إلى حصر مهام المنظمة في المطالب المباشرة المتعلقة بالعودة إلى تونس، وبين من يطالبون بان تكون للمنظمة رؤية إستراتيجية تضع ملف العودة في إطار اشمل أي ضمن حل سياسي شامل لملف المهجّرين، بين هذا وذاك اين يجب أن تتموقع المنظمة حسب رأيكم؟

المنظمة تموقعت حيث وضعها المؤتمر التأسيسي، الذي اختار لها هوية مطلبية قانونية ووضع لها سقفا سياسيا لا يتعدى حدود استعمال وسائل الضغط المدني السلمي من أجل ايقاف مظلمة التهجير وتوفير شروط العودة الكريمة والامنة لأرض الوطن. غير أن معنى العودة الكريمة لا يقتصر في نظرنا على استرجاع جواز السفر والعودة الفردية الى ارض الوطن بل يفترض أيضا استرداد الحقوق المدنية بما فيها الحق في الفعل السياسي والمشاركة في الشأن العام دون قيد أو شرط.
وحيث أن نظرة المهجّرين لطبيعة العودة المنشودة تختلف من فرد لأخر (من عائد للاصطياف وزيارة الأهل مع تطليق السياسة ثلاث وصولا إلى راغب في العودة النهائية للبلاد للنضال والمشاركة الفعالة في الحياة السياسية أو الجمعياتية)، فإن المنظمة تعتبر نفسها اطارا لخدمة كل أصناف العودة تلك، مع اعتبار أن نقطة الالتقاء بين كل تلك "المشاريع" والتصورات هو مبدأ العمل المشترك من أجل تحقيق العودة الكريمة  للجميع .. فقط!
أما الحديث عن أبعاد استراتيجية كبرى، وعن حل سياسي شامل لملف المهجّرين فهو من قبيل الخلط بين دور منظمة مثل منظمتنا ودور الأحزاب السياسية المعنية بالعمل من أجل التفاوض مع السلطة أوالضغط عليها أو "المقاومة " أو "المشاركة " من أجل ايجاد الحلول الشاملة...

7 – أخيرا هل من فكرة عن البرامج او الخطط المستقبلية للمنظمة، وكيف تتصورون إمكانية تطوير آدائها؟

إن آداء المنظمة هو بصدد التطور والتصاعد. ونحن، في المكتب التنفيذي، نجتهد كل يوم للرفع من وتيرة حراكنا وذلك عبر استنفار عزائم وإرادات أعضاء المنظمة في مختلف المهاجر، الذين هم في أغلبهم من الكفاءات وأصحاب الخبرات العلمية والتجارب المؤسساتية حيثما كانوا، عبر حركية إعلامية داخلية مكثفة.
غير أننا حريصون في الآن ذاته على إتباع المنهجية المطلبية التدرجية التي اعتمدها المؤتمر التأسيسي، دون حرق للمراحل أو خلط للأوراق. وقد دخلنا أخيرا مرحلة التحركات الميدانية الاحتجاجية أمام التمثيليات الدبلوماسية التونسية في بلدان مهجرية شتى، من أجل الضغط الإعلامي والسياسي حتى تتوقف نهائيا كل الممارسات الابتزازية التي تمس من كرامة المهجرين ومن سمعة البلاد. وستتلو هذه التحركات خطوات تصاعدية سنعلن عنها في الإبان.
وندعو في الختام كل الوطنيين الأحرار للاصطفاف إلى جانبنا ومساندة حق شركائهم في الوطن المحرومين منه في العودة الكريمة والآمنة والشاملة، كي يلتئم الشمل ويجتمع الشتات ويعود الدر إلى معدنه.

جريدة الموقف ليوم 10 ديسمبر 2010