الأحد، 8 أغسطس 2010

دعوات التمديد للرئيس بن علي بالون اختبار .. قبل اتخاذ القرار

تفاجأ العديد من المتابعين للأوضاع التونسية من داخل البلاد وخارجها بالدعوة الصادرة منذ أيام عن اللجنة المركزية لحزب التجمع الدستوري الحاكم للرئيس بن علي "لمواصلة قيادة البلاد في المرحلة القادمة"، في إشارة صريحة للاستمرار في رئاسة البلاد بعد انتهاء ولايته الأخيرة دستوريا وقانونيا بعد أربع سنوات من الآن.
ولعل المفاجأة لاتتعلّق بنوايا هرم السلطة التأبيدية أو التوريثية المعلومة لدى القاصي والداني، بل تتعلق أساسا بالشكل والتوقيت وصدور الدعوة دونما إعداد وتهيئة إعلاميّة ونفسيّة.

إن القراءة المتأنية لنص البلاغ الصحفي الذي تضمّن تلك المناشدة ودراسة المصطلحات التي تم استعمالها في النص، ثم مقارنة مختلف الصيغ المعتمدة في المواقع الإعلامية التي تناولت "الحدث" يسّرت لنا الوصول إلى استخلاصات قد تكون مفيدة لمعرفة الجهة التي تقف وراء هذه الدعوة والهدف المخفي المراد منها.

1ـ من يقف وراء هذه المناشدة

عند متابعة كرونولوجيا نشر خبر مناشدة الحزب الحاكم للرئيس بن علي "قيادة تونس في المرحلة القادمة"، تبيّن أنّ ذلك الخبر صدر أوّلا في تقرير غير ممضى لوكالة تونس افريقيا للأنباء عُنون بـ: "فحوى اللائحة العامة للدورة الثالثة للجنة المركزية للتجمع الدستوري الديمقراطي" ([1]) بتاريخ 17 جويلية 2010. وقد نقلت التقرير بصيغته الكاملة دون تحوير أو تصرّف أغلب وسائل الاعلام الرسميّة والصحفيّة التونسيّة، مثل جريدة الصباح ([2])،والملاحظ ([3])،وموقع السياسية "المستقل" ([4])،وأساسا موقع أخبار تونس ([5])الذي نقلت عنه الخبر أغلب وسائل الاعلام العربية (الجزيرة، محيط، ايلاف، الرياض السعودية، الشروق الجزائرية، الخليج الاماراتية، القدس العربي، ..).

وجاءت صيغة التقرير، الذي اُفتتح مباشرة بالمناشدة، كملخّص طويل للائحة العامة المذكورة أعلاه. غير أنّ المثير للانتباه أنّ تلك اللائحة العامة في حدّ ذاتها لم تنشر على موقع حزب التجمّع الدستوري الحاكم، كما جرت العادة في نشر لوائح مؤتمرات الحزب واجتماعات لجنته المركزية ([6]).

والأغرب من هذا أنّ التغطية المفصّلة لأشغال اللجنة المركزية تلك على صفحات ذلك الموقع (في 5 تقارير مختلفة من قاعة الاجتماع))[7]) خلت من أيّ إشارة لتلك "المناشدة"، وكذلك خلت تغطية جريدة الحرّية الناطقة باسم الحزب لذلك "الحدث" في عددها ليوم 17 جويلية ([8]) من مثل تلك الاشارة. ولم "تنتبه" جريدة التجمّع لتلك المناشدة إلاّ في عددها ليوم 20 جويلية في مقال عنونته "مناشدة الرئيس بن علي مواصلة قيادة تونس للمرحلة القادمة"، صيغ بالطابع التزلّفي المعهود. وقد اُضيفت إلى فحوى المناشدة جملة توضيحيّة لمن لم يفهم المقصود ".. وبأن يكون مرشّح التجمّع الدستوري الديموقراطي سنة 2014"([9]).

ولا يعني حديثنا عن هذا الإغفال أو التأخير في نشر المناشدة تشكيكا في دعم الحزب الحاكم لنوايا التأبيد أو التوريث التي تنتاب رئيسه، ولا في صدقيّة صدور مناشدات للاستمرار في الحكم من أفراد ترعرعوا على الصنميّة وعلى الاستهانة بالدستور.

ولكنّنا نجازف بالاستخلاص بناء على ما تقدّم وانطلاقا من فهمنا لآليات اتخاذ القرار لدى السلطات التونسية، أنّ الترويج لهذه المناشدة ونشرها في هذا التوقيت بالذات وبهذا الشكل لم يكن عفويّا أو اعتباطيّا، إنّما جاء على الأرجح بقرار واع ومدروس من دوائر القرار الضيّقة في محيط مستشاري الرئيس المقرّبين لخدمة أهداف محدّدة سنتناولها لاحقا.

2 ـ بالون اختبار بامتياز

"بالون الاختبار" هو أداة تستعملها الحكومات أو قوى الضغط المختلفة أو وسائل الإعلام لنشر أخبار تستهدف قياس الرأي العام أو جسّ نبضه أو جلب اهتمام قطاع محدّد والتأثير عليه.
وتنطبق كل خصائص بالون الاختبار على خبر "المناشدة" الذي نحن بصدد تحليله وهي كالتالي:
أ ـ عنصر المفاجأة: حيث فاجأ الخبر أغلب المتابعين باعتبار حدوثه دون مقدّمات، أثناء العطلة الصيفيّة وفي ظل فراغ سياسي كبير، وبسبب تبكيره الشديد، حيث جاء 4 سنوات كاملة قبل نهاية ولاية السيّد بن علي وموعد الانتخابات الرئاسية القادمة.
 ب ـ سرّية المصدر أو الغموض حول الجهة التي "صنعت" الخبر وروّجت له : حيث كشف التحليل السابق أنّ المصدر الأوّل للخبر لم يكن ترجيحا الجهاز الإعلامي للحزب الحاكم. كما أنّ التقرير الذي أطلق الخبر، والذي كان دون إمضاء، خلا من أي أسماء لأعضاء محدّدين في اللجنة المركزيّة بادروا إلى "المناشدة".
ج ـ عنصر الصدمة أو "جرأة" الخبر: حيث أنّ خبر مناشدة الرئيس المواصلة في الحكم بعد انتهاء ولايته الأخيرة دستوريا يعني بالضرورة دعوة للانقلاب على الدستور مرّة أخرى لتمكين الرجل الذي اكتسب شرعيّته من شعار "لا للرئاسة مدى الحياة" من الاستمرار في الرئاسة لولاية سادسة رغم تقدّمة في السنّ.ولا شكّ أنّ مثل هذه الدعوة مثيرة للصدمة والاشمئزاز والتندّر ليس فقط في صفوف المعارضين، بل لدى فئات واسعة من التونسيين، ناهيك عن الرأي العام العربي والدولي المتعوّد على مثل هذه "الروائح" التي تفوح من أحذية الأنظمة المتجمدة  التي لا زالت تقاوم تيار الانفتاح والديموقراطية في العالم.
د ـ اختصار الخبر وتعمّد الغموض في مضمونه: حيث تعمّد صانعو "البالون" اختيار مصطلحات فضفاضة تلمّح إلى معنى محدّد ولكنّها قد تحتمل معاني أخرى مختلفة. حيث اعتمدوا لفظ "مواصلة قيادة تونس" كتلميح ل "الاستمرار في رئاسة البلاد". ولكنّ كلمة "القيادة" تتحمّل أيضا معاني التوجيه والعناية والقدوة، كما أنّها غير محصورة منطقيّا في مؤسّسة رئاسة الجمهوريّة. وقد رأينا في بلدان أخرى رؤساء سابقين ينتقلون إثر إنتهاء ولايتهم إلى مجالس الشيوخ أو إلى هيئات استشاريّة عليا تُوجّه سياسات البلاد (مثل مجلس تشخيص مصلحة النظام في ايران) ([10]) أو يصيرون مثل مانديلا رموزا وقدوات.كما اعتمد محرّر الخبر لفظ " .. في المرحلة القادمة" في تلميح للدورة الرئاسية القادمة (2014ـ2019)..
ولعلّ تعمّد الغموض يهدف إلى تخفيف وطأة الصدمة، وإلى دفع النّاس للتفكير في مضمون الخبر والتجادل والتحاور حوله وذلك أمر يسهّل سبر آراء الرأي العام ومعرفة توجّهاته.ويبدو أنّ "متزلّفي" جريدة الحرّية لسان الحزب الحاكم لم يدركوا هذا المقصد حيث قتلوا الغموض وبدّدوه بإضافتهم الدعوة لترشيح بن علي للانتخابات القادمة في فحوى المناشدة. وهو ما يؤكّد مجدّدا أنّ الموضوع لم يطبخ في قيادة الحزب بل في مستوى أعلى.
هـ ـ تجنّب التعليق على الخبر إثر نشره توضيحا أو تأكيدا أو تكذيبا، إدامة للغموض وحرصا على متابعة ردود الفعل وقياس اتّجاهات الرأي قبل اتّخاذ أي قرارات. وفي هذا الإطار نفهم تجنّب الإشارة من قريب أو بعيد لموقف الرئيس من هذه المناشدة. وهو موقف قد يدوم أشهرا عديدة في انتظار توضّح الصورة ومعرفة مسار الأمور.

3 ـ الأهداف الخفيّة لهذه المناورة الإعلامية

على الرغم من أنّ صيغة الخبر وسياقاته تفترض أن يكون الهدف من إطلاق هذا البالون هو إعداد الرأي العام الوطني والخارجي وتهيئته لتقبّل قرار منتظر بالانطلاق في عمليّة تحوير الدستور لإلغاء الفصل 40 الذي يحدّد السن القصوى للترشح (75 سنة) ويحرم السيّد بن علي من الاستمرار في الحكم.
وعلى الرغم من "السوابق" المتعددة للرئيس بن علي ولحزبه منذ عهد الرئيس بورقيبة ([11]) في تطويع الدستور والنّصوص القانونيّة لخدمة نزوات التمديد والتأبيد، تذهب في اتّجاه تأكيد هذا التوقّع. فإنّنا نعتقد أنّ هذاالهدف ليس إلا الخيار "أ" ضمن قائمة خيارات متعدّدة تخدم كلّها مصالح الأسرة الحاكمة ودوائر المصلحة المحيطة بها.
حيث يُدرك صنّاع القرار (أي مُطلقو البالون) جيّدا أنّ التمديد لبن علي هذه المرّة لن يكون بالسهولة التي كان عليها في المرّتين السابقتين، لتزايد العداء الداخلي وأساسا الرفض الخارجي لهذا التمشّي، ولاهتراء شرعيّته وتقدّم سنّه وتدهور صحّته بشكل يُذكّر تماما بأواخر العهد البورقيبي.
ولعلّ الصعوبة الحقيقيّة لهذه المأموريّة هي ما يُبرّر التبكير جدّا بطرح موضوع التمديد على الرأي العام لجسّ النبض ومعرفة ردود فعل مختلف الأطراف ودراسة إمكانيات تمرير هذا الخيار من عدمها قبل اتخاذ قرار حاسم في هذا الاتّجاه أو ذاك.
ولا شكّ أنّ صمت الرئيس بن علي وامتناع محيطه المقرّب عن التعليق عن هذا الموضوع سيتواصل لمدّة طويلة، ستتكثّف خلالها من ناحيةالمناشدات (الطوعيّة-التزلّفيّة والمفروضة) ومن ناحيةأخرىالمناورات الداخليّة مع قوى المصلحة والمفاوضات مع القوى الخارجية ذات النفوذ والتأثير.
أمّا إذا تعذّر مسعى التمديد بسبب فيتو خارجي أو تنازع داخلي أو تخلّي شخصي، فلن يكون مفعول هذا البالون إلا ايجابيا. حيث سيوجّه أنظار الرأي العام نحو وجهة خاطئة، ويكثّف مشاعر السخط والرفض تجاه هذا الخيار. وهو ما سيساعد على تمرير خيارات أخرى قد يتطلّب أغلبها تحويرا دستوريّا محرجا ومحفوفا بالمخاطر من مثل سيناريوهات التوريث لصالح زوجة الرئيس صاحبة النفوذ المتزايد على مؤسسات الدولة (والذي يمرّ عبر إحداث منصب نائب رئيس يتولّى الخلافة عند الشغور)، أو لصالح صهرهما المفضّل السيّد صخر الماطري (وهو ما يتطلّب تخفيض السنّ الأدنى للترشّح من 40 سنة إلى أقلّ من 34 عمر السيد الماطري سنة 2014).
وفي ظلّ غياب مؤشّرات قطعيّةعن نوايا الرئيس بن علي في خصوص التمديد أو التخلّي في أعقاب ولايته الحالية، فإنّه يسعنا أن نضيف للاحتمالات السابقة احتمالا يبدو سرياليا في الوهلة الأولى ولكنّه ممكن نظريّا: أن يكون قرار التخلّي قد اُتّخذ أصلا وأن يكون هذا "البالون" هو جزء من الإخراج لتحسين الخاتمة وتسهيل عمليّة التوريث، تلميعا لصورة الرئيس وضمانا لمصلحة الوريث المحتمل وقوى المصلحة النافذة والحزب الحاكم.وعلى الرغم من أنّ هذا الاحتمال هو الأفضل لمصلحة "الأسرة الحاكمة" والنظام عموما، فإن أغلب المتابعين والفاعلين في الساحة السياسية المعارضة يشكّكون في إمكانية حصوله تشكيكهم أصلا في وجود نيّة عند السيّد بن علي لتوريث الحكم ما دام في النفس رمق، ومادامت الساحة تعجّ بمتزلّفين يصفّقون و"يناشدون"، ومادام الشعب ونخبه السياسية غير قادرين على قلب المعادلة وافتكاك زمام الأمور. ويحضرني هنا قول للصديق الدكتور منصف المرزوقي الذي ينصح من أراد استقراء موقف السلطة من قضيّة ما أن يفكّر مليّا في الموقف الأقرب منطقيّا لمصلحتها ثمّ يبحث عن الموقف النقيض تماما وسيجد هناك غالباالموقف الذي سيتم اعتماده!

4 ـ صدّ المناورة.. أو مسؤولية قوى البلاد الحيّة ؟

إذا كان الهدف من إطلاق "بالون اختبار" هو جسّ نبض الرأي العام قبل اتّخاذ قرارات مصيريّة تهمّ مستقبل البلاد والعباد، فإنّ ردّة فعل نخب البلاد وقواها الحيّة يجب أن تكون على درجة كبيرة من القوّة والصرامة والتنظيم كي تتمكّن من إرباك حسابات أصحاب القرار والتأثير على خياراتهم.
قد يقول البعض أنّ ردّة فعل الرأي العام قد تُؤخذ بعين الاعتبار في الديموقراطيّات التي تحترم شعوبها وتخشى غضبها. أمّا في الأنظمة التي لا تُلقي بالاً لرأي الرعيّة، فلا أمل في صدّ القرارات أو التأثير على المسارات.ولكن الواقع يُثبت أنّ تلك الأنظمة الفاقدة للشعبيّة فقدانها للشرعيّة تخشى ردّة فعل شعوبها أكثرمن الأنظمة ذات الشرعيّة، غير أنّ ضعف ردود الأفعال وتشرذم الفاعلين وتشتّتهم يطمئنها ويشجّعها على التمادي.
والصّحيح أنّ ما تخشاه تلك الأنظمة أكثر في ظلّ ضعف مؤسّسات المجتمع وأحزابه هو الضغط الخارجي، ودعوات الدمقرطة والتداول وتحسين الواجهة التي ترفعها الدول الكبرى بضغط من مجتمعاتها المدنيّة، وتسعى أحيانا لفرضها، قطعا بشكل منقوص أو مشوّه، كلّما قدّرت وجود أخطار حقيقية على الاستقرار والمصالح الإستراتيجيةمن مثل الانتفاضات الشعبيّة التي قد تقلب المعادلات وتعيد رسم الخرائط ..
إنّ أشدّ ما يراهن عليه "مُطلقو البالون" في الفترة القادمة، وما سيسعون بالتأكيد للوصول إليه بكل ما أوتوا من وسائل الحزب ومقدّرات الدولة، هو بثّ الإحباط في نفوس نخبة البلاد ومثقّفيها ورجال أعمالها وعامة النّاس، وإقناعهم بأنّ ما هم مُقدمون على إعداده من تمديد أو توريث حاصل لا محالة، وأنّه قدر لا أمل في ردّه ولا فائدة ترجى من مقاومته، وأنّه لا بدّ، للحفاظ على المصلحة، من القبول به أو على الأقلّ النأي بالنفس عن مصادمته.
إنّ مسؤوليّة النخب الواعية، من قوى معارضة ونقابيين وناشطين حقوقيين وطاقات شبابية مهتمّة بالشأن العام دون انتماءات ومستثمرين وغيرهم من أبناء الشعب الكريم، أضحت اليوم مضاعفة لإطلاق حملات شعبيّة متعدّدة الأشكال والوسائل والسقوف من أجل التصدّي لمخطّطات التأبيد والتوريث التي تستهين بذكاء الشعب وتمتهن كرامته وترتهن مستقبله.ولا شكّ أنّ مثل هذه الحملات المتزامنة ستخلق ديناميكية متصاعدة قد تدفع سريعا نحو أشكال متقدّمة من التنسيق ربّما تقود إلى بروز مشاريع إنقاذ وطنيّة جدّية تحظى بتأييد قطاعات واسعة من التونسيين، كما كان عليه الأمر في مصر الشقيقة.
إنّ ما يجري اليوم بأرض الكنانة من حراك شعبي متزايد ضدّ توريث الحكم لجمال مبارك، وما أدّى إليه ذلك الحراك من إرباك لبرامج الرئيس مبارك وحزبه الحاكم الذين لا يزالان عاجزين قبل أقلّ من سنة عن الاستحقاق الانتخابي القادم على مواجهة المصريين بخيارهم (بين التمديد والتوريث)، إن كانوا أصلا قد تمكّنوا من الاختيار، ليقدّم الدليل والنموذج على قدرة المجتمع، عندما يريد، على إرباك مخطّطات الرّاغبين في احتكار السلطة والضغط عليهم بشكل مباشر أو غير مباشرعبرزعزعة ثقة وحماية وطُمأنينة شُركائهم وضامني شرعيّتهم في الغرب الحريصين على مصالحهم الإستراتيجية طويلة الأمدأكثر من حرصهم على مصير شخص ليس إلاّ بيدقا في نظرهم لن يتردّدوا في استبداله قبل أن يفاجئوا ب"كش مات".

عماد الدائمي ـ كاتب تونسي



[1]الرابط: http://www.tap.info.tn/ar/index.php?option=com_content&task=view&id=22846&Itemid=38
[2]الرابط:http://www.assabah.com.tn/article.php?ID_art=37875
[3]الرابط:http://www.almoulahedh.com.tn/actualites-nationales/article-1623.html
[4]الرابط: http://www.assyassyia-tn.com/index.php?option=com_content&view=article&id=883
[5]الرابط: http://www.akhbar.tn/?p=56580
[6]انظر مثلا اللائحة العامة للدورة السابقة للجنة المركزية للحزب التي انعقدت في 18 يناير/جانفي الماضيhttp://www.rcd.tn/arabe/info/Ar_19012010_01.htm 
[7]انظر تقارير يومي 16 و 17 جويلية على صفحة "أخبار التجمّع" في الموقع ذاته على الرابط التاليhttp://www.rcd.tn/arabe/index1_ar.html
[8]الرابط:http://www.alhorria.info.tn/article/?ID=858&page=article&article=58978
[9]انظر نص المقال على الرابط التالي   http://www.alhorria.info.tn/?ID=860&page=article&article=59107
 [10] انظر تعريف هذه المؤسّسة في الرابط التالي .



[11]ونشير هنا أساسا إلى التحوير الذي تمّ يوم 19 مارس 1975 والذي اُضيف فيه إلى الفصل 40 من الدستور بند ينصّ على أنّ السيّد الحبيب بورقيبة هو رئيس تونس مدى الحياة. وهو الفصل الذي بادر السيّد بن علي بإلغائه مباشرة بعد إنقلاب 7 نوفمبر 1987.


الأربعاء، 30 يونيو 2010

حوار مع قدس برس

خدمة التقارير والأبحاث" فرنسا- تونس- منظمة المهجرين التونسيين- تصريحات (خاص)

الثلاثاء 29 حزيران (يونيو) 2010

قال ننتظر التفاعل الايجابي من السلطة ونؤمن بالتدرج في طرح مطالبنا
منسق منظمة المهجرين التونسيين لـ"قدس برس": شرعيتنا مستمدة من الرد على ابتزاز السلطة للمهجرين
باريس- خدمة قدس برس

اعتبر منسق المكتب التنفيذي للمنظّمة الدولية للمهجّرين التونسيين إن أساليب الابتزاز الأمني والسياسي التي تمارسها المصالح القنصلية والأجهزة الأمنية على الراغبين في تسوية وضعياتهم والاشتراطات المهينة، والمضايقات البوليسية، والهرسلة القضائية إثر عودة البعض، تمثل مؤشرات على عدم استعداد السلطة لحلّ ملف المهجرين بشكل جدي يحفظ كرامة وحق المواطنة لهؤلاء المعارضين المهجرين.

وقال منسق المكتب التنفيذي للمنظّمة الدولية للمهجّرين التونسيين المهندس عماد دايمي في تصريحات خاصة بـ"قدس برس" بمناسبة الذكرى السنوية الأولى للإعلان عن المنظمة، إن "مبادرة حق العودة للمهجّرين التونسيين قبل أكثر من سنة لتلبية حاجة حقيقية في الساحة المهجرية التونسية، لذلك التفّ حولها أغلب المهجّرين وعلقوا عليها الكثير من الآمال"، حسب تعبيره.

هذا وعلى الرغم أن المنظمة التي انبثقت عن المؤتمر التأسيسي في حزيران (يونيو) الماضي عرفت عددا من المشاكل الذاتية والموضوعية التي عطلت أعمالها نسبيّا، فإنها، كما أكد أثبتت بسرعة مشروعية وجدوى وجودها، حيث نفضت الغبار عن قضية عادلة منسية، وجعلت منها مركز اهتمام في الساحتين الحقوقية والسياسية الوطنيتين خلال الأشهر الماضية، حسب تقديره.

وشدد دايمي على أن "مشروعية المنظمة، ومسؤوليتها كذلك، أضحت اليوم مضاعفتين بسبب سياسات الإذلال والابتزاز الأمني والسياسي، التي تمارسها المصالح القنصلية والأمنية على المواطنين الراغبين في وضع حدّ لتهجير مفروض منذ سنوات طوال"، حسب وصفه.

وبشأن اختلاف وجهات النظر داخل المنظمة في التعاطي مع السلطة قال دايمي "ليس من العيب الاعتراف بوجود اختلافات في الموقف من السلطة لدى أعضاء المنظمة القادمين من خلفيات سياسية متعددة. ولكن من المهم التأكيد أنّ المؤتمر التأسيسي عرف نقاشا عميقا وصريحا بين مختلف تلك التصورات أفرز هوية حقوقية مطلبيّة لهذا الإطار الوطني المعني بالتعريف بالقضيّة المشتركة والسعي لحلها بكل الوسائل الحقوقية والمدنية الممكنة"، حسب تعبيره، مضيفا أنه "من هذا المنطلق وتنفيذا لقرارات المؤتمر وتوصيات الهيئة الإدارية الأخيرة، أعدّ المكتب التنفيذي رسالة موجّهة إلى رئيس الجمهورية لدعوته لاستعمال صلاحياته الدستورية من أجل حل هذه القضية، واتصلنا بالسفارة التونسية في باريس للمطالبة بلقاء مع السفير التونسي لتسليمه تلك الرسالة عبر القنوات الرسمية، ولمناقشة السياسة التي تعتمدها المصالح القنصلية تجاه عموم المهجّرين الساعين لتسوية وضعياتهم القانونية. غير أنّ مكتب السفير لزم الصمت لحدّ اليوم. وحقيقة لم يثننا هذا الصدّ عن تدارس خطوات أخرى لإيصال مطالب المهجّرين إلى السلطات ومطالبتها برفع العراقيل التي تضعها في وجه الراغبين في العودة إلى الوطن. وسنطلع الرأي العام على تلك الخطوات في الإبان".

وحول سياسة السلطة تجاه ملف المهجرين، أوضح المتحدث "ما من شك أن توحّد المهجّرين للمطالبة بحقهم الدستوري والإنساني في العودة إلى بلادهم وتأسيسهم لمنظمة تجمع شملهم وما رافق ذلك من تغطية إعلامية مكثفة ومن تعاطف وطني ودولي غير مسبوق، غيّر الكثير من المعطيات، حيث دفع ذلك الأمر السلطات، التي كانت على الدوام تنفي وجود تهجير ومهجّرين، إلى الاعتراف ضمنيا بالقضية، وإلى انتهاج سياسة تسعى لتكريس مبدأ التسويات الفردية المشروطة كسبيل وحيد لحلّها. غير أنّ أساليب الابتزاز الأمني والسياسي التي تمارسها المصالح القنصلية والأجهزة الأمنية على الراغبين في تسوية الوضعية تحت ذلك الإطار، والاشتراطات المهينة والمضايقات البوليسية والهرسلة القضائية اثر العودة، كل تلك التصرفات وغيرها لمؤشرات على عدم استعداد السلطة في حلّ الملف"، حسب رأيه.

وأكد دايمي أن "عدم جدية السلطة في حل هذه القضية، بقدر ما ساهم في تثبيط عدد من المعنيين بالملف ودفعهم لتأجيل طرق باب الوطن حتى ظروف أحسن، بقدر ما يزيد من مسؤولية المنظمة وهياكلها في تكثيف تحركاتها والانتقال إلى خطوات نضالية أكثر تأثير وفاعلية بعد كل ما تحقق للقضية من تعاطف وطني ومساندة عربيّة ودوليّة."

http://www.qudspress.com/?p=98346

الأحد، 6 يونيو 2010

هذه القرصنة من تلك ...عمّار (1) وتسحّال (2) شركاء في العدوان ..

على اثر قرصنة موقع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية التونسي المعارض. http://cprtunisie.net
اختلف الفاعلون والضحيّة وحجم القضية ... ولكن الجرم واحد.
قراصنة جبناء رغم تدجيجهم بأعتى السلاح اقتحموا تحت جناح الظلام أسطول الحرّية في المياه الدوليّة لوأد التضامن ومنع محبّي العدل والسلام من كسر الحصار الظالم المضروب على غزّة العزّة والاباء ...
وآخرون أشدّ منهم خساسة وجبنا مدّوا أيديهم الآثمة والمرتعشة، من خلف سُتر وأحجبة، ليقرصنوا أحد مواقع الحرّية في المجال الافتراضي الكوني، كما فعلوا ذلك ويفعلون في كل وقت وحين، من أجل وأد الكلمة الصادقة ومنع محبّي الحرّية والتغيير الحقيقي من كسر الحصار الإعلامي الغاشم المضروب على شعبنا مسلوب الكرامة والحرّية ...
قد يتمادى هؤلاء القراصنة وأولئك في غيّهم وسيتمادون ... ولكنّهم مع كل قرصنة جديدة يقرّبون أنفسهم من نهايتهم الحتميّة البائسة. لأنّ من سنن الخلق وعِبر الزمان أن تعمى بصيرة القرصان في آخر عمره، وأن يشتدّ صلفه وطغيانه بالتمادي، حتّى يظنّ هو، وأغلبيّة ضحاياه، والأجوار والمتابعون والعالم أجمعون، أنّه قضاء مؤبّد لا مردّ له، لا فائدة ترجى من مقاومته ولا أمل في دحره .. وأنّه لا حلّ إلا في استرضائه أو تجنّبه لاتّقاء شرّه ...
عندئذ .. عند إستواء الحال، وإنهيار أمل الانعتاق، وتصاعد دعوات التطبيع مع الوضع، وإنتفاء الشروط الموضوعيّة والذاتيّة لتغييره ... عندئذ علّمنا التاريخ أنّه تهُبّ من تحت الرماد قلّة متمرّدة ترفض الإذعان والتطبيع والواقعيّة .. وتدعو للصمود والمقاومة ونزع الشرعيّة .. وتُؤمن بقدرة ضحايا القرصنة على وقف العدوان وتحقيق المصير وصناعة غد أفضل.
ستواجَه تلك الفئة أوّلا باستخفاف القرصان واستهزائه، ثمّ بنقمته وانتقامه. كما تواجَه بلامبالاة أغلبيّة الضحايا الفاقدين للأمل .. بل وبشكوك قطاع منهم واتّهاماتهم لها بالتنطّع والعنتريّة ...
عندئذ إن فهمت تلك القلّة واقعها واستجمعت قواها وعزائمها .. علّمتنا تجارب الأمم أنّ التاريخ يدخل حتما في حركة تصاعديّة: مقاومة متصاعدة تنتشر في المجتمع كبقعة الزيت تُوسّع كلّ يوم دوائر التعاطف معها في الوطن وخارجه. وفي المقابل قمع وقرصنة متزايدان، بهدف الانتقام ووأد المقاومة وكسر التضامن وتحطيم الأمل، يقلّصان كلّ يوم دوائر الحلفاء والمطبّعين وغير المكترثين ...
حركتان فيزيائيتان متقابلتان: تمدّد من ناحية وتقلّص من ناحية أخرى، توحيان بالنتيجة الطبيعيّة الحتميّة لصراع الأمم ضدّ قراصنتها. غير أنّ هذا التحليل الفيزيائي للأمور لا ينطبق على كيفيّة نهاية الصراع. حيث أنّه من دروس التاريخ المُدهشة أنّ تلك النهاية لم تكن يوما طبيعيّة أي بتطوّر موازين القوى حتّى التعادل، ثمّ تفوّق قوى المقاومة وتدهور القوّة المُقابلة تدريجيّا حتّى الانهيار. بل كانت نهاية القراصنة والطغاة دائما مفاجئة، بين عشيّة وضحاها، في أوج الجبروت، دون اعتبار لموازين القوى على أرض الواقع ..
عند تلك النهاية ينفضّ عن القرصان الحلفاء والمطبّعون والمستفيدون والجنود المخلصون، ويجد نفسه وجها لوجه مع ضحاياه المطالِبين بعدالة الأرض قبل عدالة السماء.
سيحفظ التّاريخ يومئذ كلّ من قاوم وناصر وتضامن .. ويحتفظ للعبرة بالقراصنة ومن والاهم وتبع خطاهم ..
فهل من معتبر !!
*****************************************

1-    عمّار : هو الاسم الذي يُطلقه ناشطو حملة مقاومة الحجب والقرصنة في تونس على الرّقيب وبوليس الأنترنت
2-    تسحّال: هو اسم الدلع الذي يطلقه الاعلام الصهيوني وجزء من الاعلام الغربي على جيش الكيان الغاصب

الخميس، 27 مايو 2010

France24 - تساؤلات حول حقوق الانسان في تونس


في تونس منظمة إسمها: الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان. حاولت الاحتفال بالذكرى الثالثة والثلاثين لتأسيسها ولكنها منعت من ذلك. لماذا؟ ترى الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان أن السلطات تتدخل في شؤونها وقالت صراحة إنها ترفض هذا التدخل. ما صحة ما يقال عن الضغوط التي تتعرض لها المكاتب المحلية للرابطة؟
http://www.france24.com/ar​/node/597403

الثلاثاء، 25 مايو 2010

Lettre aux initiateurs de la campagne anti-censure « Sayeb Sala7 »

Bravo les amis … vous êtes en train d’écrire une nouvelle page de l’histoire de la lutte pour la liberté d’expression dans notre pays. Il faut continuer la mobilisation et il ne faut surtout pas relâcher la pression. Ammar n’aura qu’une seule et unique option : céder devant l’élan et le courage de la jeunesse tunisienne.

Le gouvernement n’a plus le courage ni la couverture intérieure et internationale pour procéder à une vague de répression et surtout pas à des procès politiques en cette phase critique de négociation avec l’UE à propos du statut de partenaire privilégié.

Les organes sécuritaires pourraient probablement essayer de faire certains actes ciblés d’intimidation contre quelques activistes pour tester la réaction de « la foule virtuelle ». Elles déclareront forfait, sans doute, devant votre/notre solidarité inébranlable.

On se dirigera très probablement ensuite vers une tentative de récupération politicienne venant du sommet de l’état pour transformer la cuisante défaite en un soi-disant acte d’ouverture présidentielle avec peut être en bonus une déconnexion de certains fusibles! (L’actuel « Ammar en chef » Oussama Romdhani ne devait plus se sentir en sécurité).

Tout dépendra de notre mobilisation !

Imed Daimi

mardi 25 mai 2010

Lettre aux initiateurs de la campagne anti-censure « Sayeb Sala7 »

Bravo les amis … vous êtes en train d’écrire une nouvelle page de l’histoire de la lutte pour la liberté d’expression dans notre pays. Il faut continuer la mobilisation et il ne faut surtout pas relâcher la pression. Ammar n’aura qu’une seule et unique option : céder devant l’élan et le courage de la jeunesse tunisienne.

Le gouvernement n’a plus le courage ni la couverture intérieure et internationale pour procéder à une vague de répression et surtout pas à des procès politiques en cette phase critique de négociation avec l’UE à propos du statut de partenaire privilégié.

Les organes sécuritaires pourraient probablement essayer de faire certains actes ciblés d’intimidation contre quelques activistes pour tester la réaction de « la foule virtuelle ». Elles déclareront forfait, sans doute, devant votre/notre solidarité inébranlable.

On se dirigera très probablement ensuite vers une tentative de récupération politicienne venant du sommet de l’état pour transformer la cuisante défaite en un soi-disant acte d’ouverture présidentielle avec peut être en bonus une déconnexion de certains fusibles! (L’actuel « Ammar en chef » Oussama Romdhani ne devait plus se sentir en sécurité).

Tout dépendra de notre mobilisation !

Imed Daimi
mardi 25 mai 2010

السبت، 9 يناير 2010

الحملة ضد المرزوقي أو اختلال البوصلة

مرة أخرى يتعرض الدكتور منصف المرزوقي لحملة شتم وتشويه وتشكيك. الفرق أن المنخرطين في الحملة هذه المرة ليسوا من صحافيي العار المأمورين أو المتملقين، ولا من أقلام البوليس السياسي المدسوسة في فضائنا الافتراضي المخترق، بل هم للأسف الشديد أصدقاء وشركاء نضال ورفاق درب .. وهذا أشد على النفس وأنكى.
أوضح أولا أن ما يقودني اليوم للرد على هذه الكتابات التي أحمل لبعض أصحابها الكثير من الود والتقدير ليس غيرة حزبية ولا ولاء شخصي لا وجود لهما في قاموس الإطار الوطني الذي أسسناه معا منذ 9 سنوات وأردناه مدرسة للتعايش والاحترام والتعاون بين مختلف أطياف شعبنا الإيديولوجية والفكرية (المؤتمر من أجل الجمهورية). وليس هو أيضا دفاعا عن شخص المرزوقي الذي يحسن الدفاع عن نفسه ويتقن أكثر الإعراض عن الدخول في متاهات الردود العقيمة والنقاش الفارغ الذي يحيد عن القضايا الحقيقية والأولويات المركزية.
ولكن ما دفعني لتجشم جهد الرد هو إحساس كبير بالضيم في حق رجل عانى الأمرين وتحمل الكثير من الأذى في الداخل والخارج خلال العقدين الماضيين بسبب دفاعه المستميت على حق هؤلاء الإخوة الذين هاجموه في الوجود والتعبير والمشاركة السياسية، ورفض أي مسعى لربط التحالف السياسي مع الإسلاميين ضد الدكتاتورية بأي نوع من المراجعات الفكرية والتنازلات الإيديولوجية في القضايا الخلافية، مما جعله (وجعلنا) نجدف وحيدين تقريبا ضد المسار الذي آلت إليه هيئة 18 أكتوبر، مسار "ابتزاز" التقارب الفكري قبل استئناف النضال المشترك، الذي انجرت إليه حركة النهضة نفسها..
أكثر ما يؤسف في القصف العشوائي الذي تعرض له الدكتور المرزوقي أنه انبنى على سوء فهم لمقصد المقال، وارتكز على عنوان لم يفهم (بضم الياء) وجملتين اخرجتا من سياقهما ليستنتج بكثير من التبسيط، الذي لا يليق بهؤلاء الأكارم، أن الرجل يهزأ من الإسلام وشعائره.
والغريب أن تلك الردود جاءت من أناس تعودوا بالكتابات النقدية لمنهج الحركات الإسلامية وشعاراتها من داخل المنظومة الإسلامية ومن خارجها وربما أسهم بعضهم في جهود النقد الذاتي التي عرفتها الساحة الاخوانية التونسية والعالمية خلال العشرية الأخيرة، والتي زلزلت الكثير مما كان يعتبر من الثوابت وأظهرت لحد كبير قصور تجربة الإسلاميين والمطبات التي وقعوا فيها وفضفضة بعض الشعارات التي رفعوها .. ومن بينها شعار "الإسلام هو الحل". ولم نر لأحد منهم ردا على أصحاب تلك المراجعات الجريئة من مثل الدكتور النفيسي، والبشري، ومنير شفيق، والترابي، والزعاترة، والغنوشي نفسه في كثير من المواقف. واترك للقارئ تصور رد فعل هؤلاء الإخوة إن جاءت الفتاوى المثيرة للترابي مثلا (حول السنة والصحابة وعذاب القبر وحجاب المرأة المسلمة وحلية زواجها من غير المسلم .. وغيرها) على لسان غير إسلامي مثل الدكتور المرزوقي أو غيره.
أيها السادة الكرام،
اسمحوا لي أن أقول لكم أنكم أخطأتم في حكمكم مرتين، الأولى أنكم سمحتم لأنفسكم باخراج للدكتور المرزوقي من المنظومة الإسلامية واعتبار أن ما كتبه هو مهاجمة للإسلام من خارجه. ولو اعتبرتموه كما يعتبر هو نفسه من داخل منظومة الأمة، لقبلتم بحقه في النقد أو حتى ربما "الجلد" الذاتي. والخطأ الثاني والذي هو أفدح أنكم وجهتم لمكونات الساحة التونسية التي تتابعكم، الأصدقاء منهم قبل الأعداء، اشارات خاطئة عن ضيق صدر بعضكم بالنقد، وعدم احترامكم لحق الاختلاف، ونزوع البعض للتكفير وادعاء امتلاك الحقيقة واحتكار تمثيل الاسلام وحق الدفاع عنه، وعن اختلال الأولويات عند هذا البعض بحيث تتقدم الانتماءات الفكرية والايديولوجية على واجب التوحد من أجل الدفاع عن الحرية والديمقراطية  في البلاد.
 أيها الأصدقاء، أدعوكم بكل ود أن تغمدوا سيوفكم .. أو بالأحرى أن تدعوها مشرعة وأن توجهوها الى العدو الحقيقي المشترك : الدكتاتورية .. في بلادنا وحيثما كانت ومهما كان دينها.
ان أي بوصلة لا تتجه لنصرة الحرية ومقاومة الدكتاتورية هي بوصلة مشبوهة .. وفي أحسن الحالات معطبة!.

الخميس، 22 أكتوبر 2009

الانتخابات التونسية ... المهزلة المتكررة

لا زالت الانتخابات لم تجر بعد في البلاد ولكن نتائجها باتت معروفة مسبقا لدى كل التونسيين والمراقبين المتابعين لسلوك النظام الحاكم طيلة الحملة الانتخابية والاسابيع التي سبقتها. لم تحصل المعجزة التي كان يحلم بها البعض (معجزة الانفتاح النسبي واحترام الشكليات)، ولن تحصل، لأن الخلل بنيوي وعميق ولأن ميزان القوى بين السلطة وقوى المجتمع الحية لا زال مختلا لصالح الأولى، كما لايزال الضغط الخارجي من أجل احداث حدود دنيا من الانفراج والاصلاح ضعيفا أو ربما منعدما تماما.
وصمة عار جديدة هي بصدد الاضافة الى سجل بلادنا، وأغلب التونسيين مشدوهون يتابعون الأوضاع بكثير من الأسى والاحباط والخجل. ولا عجب أن يخجلوا ونخجل جميعا لأن فصول المهزلة فاقت حدود التصور والتحمل. وفيما يلي غيظ من فيضها.

1ـ اخراج ردئ لمسرحية عفا عنها الزمن

لم يكن لدى المتابعين الذين يعرفون النظام التونسي جيدا وهم أن تكون هذه الانتخابات مختلفة في النتيجة عن سابقاتها في تاريخ البلاد الحديث. غير أن الكثير منهم توقع أن تغير السلطة من تكتيكاتها هذه المرة وأن تعد لعبتها جيدا حتى لا تقع في الأخطاء والفضائح التي وقعت فيها في المرات السابقة، خصوصا وأن هرم السلطة والمقربين منه انطلقوا في الاعداد لهذه المسرحية الانتخابية منذ زمن طويل. وكلفوا لاخراجها فريقا من الأمنيين والقانونيين والسياسيين والدوائر النافذة أطلقوا يده منذ أول يوم في موارد الدولة وامكانيات الادارة، وأعطوه بطاقة بيضاء للتعامل مع مختلف الفاعلين والمفعول بهم بكل الأشكال المناسبة ترهيبا وترغيبا، ضمانا للولاء أو دفعا للبلى.
وقد حدد لهذا الفريق من المخرجين هدف شديد الوضوح غير قابل للتأويل وبدون أي هامش للتصرف. فاجتهدوا كيفما يقدرون، وفتحوا أرجلهم بأكثر مما يقدرون ليصلوا طرفي موازنة مستحيلة شعارها: ضمان النتيجة مع المحافظة على الديكور.
غير أن ما خفف الوطأة عنهم وجود قاعدة ذهبية للتحكيم عندما تتشابك الأمور، شعارها: أولوية النتيجة على الديكور، مع التعويل على الزمن كي ينسى الناس ويتعودون وتستقر الأوضاع كما خطط لها دون تنغيص أو حاجة لتنفيس ..
ولكن رغم الاستعدادات والامكانيات والجنود المجندة، لم تخرج المسرحية حتى الان، ولن تخرج، عن المنتظر المألوف الذي يمكن أن يتنبأ به أي مواطن عادي: كل شيء فيها معروف مسبقا: الأبطال والكومبارسات والادوار المختلفة .. وموقف الأبطال من الطامعين والمشاغبين والمترددين .. وفكي التنين المشرعة على المناوئين الساعين لافساد الحفلة واثارة الفتنة. ولم يبق في علم الغيب الا موقف الجمهور من مسرحية بهذه التفاهة واخراج بهذه الرداءة، هل سيقاطعونها بكثافة كبيرة كما ينتظر، أم أن الخوف سيقود أعدادا منهم الى مسارح التصويت كما يفعل عادة في مثل هذه المناسبات.

2ـ هل هي انتخابات حكم أم انتخابات خلافة؟

عودوا الى كتب التاريخ وتجارب الأمم ولن تجدوا موقفا انتخابيا أشد غرابة من الذي تعيشه بلادنا هذه الأيام. ففي الوقت الذي تستعد فيه حثيثا للتجديد للمرشح لخلافة نفسه في ظل صخب اعلامي وغطاء سياسي ونداءات وتحالفات والتحاقات (شملت حتى الطامعين من الضحايا السابقين)، ينسحب هذا البطل الأوحد فجئيا من المشهد، ويتقلص حضوره، وتشتد الريبة حول مصيره، مع بروز مؤشرات متواترة على فقدانه للسيطرة على المافيات صنيعة يده، وعلى احتدام صراع الأجنحة لخلافته، ومع سيل الشائعات المتعددة حول المؤمرات التي تحاك على الزعيم الحاضر الغائب من داخل قصره وحول الصفقات التي تعقد من وراء ظهره ..
فأي وضع سريالي هذا : رئيس ينتخب بنسبة تقترب من الاجماع ولا أحد يدري ان كان سيحكم غدا، أم أن صفحته ستطوى قريبا انتزاعا أو ضغطا أو اضطرارا.

3ـ غياب الناطق الرسمي والخوف من تمثيل النظام

في كل الدكتاتوريات عبر التاريخ يحتكر الدكتاتور تمثيل الدولة والكلام باسم الحزب الحاكم، ولا يسمح عادة لوجوه أخرى بالبروز الشديد وملء الساحة مهما كانت درجة وفائها له.
أما في بلادنا فاننا نعيش وضعا شاذا يكاد لا يكون له نظير ... فدكتاتورنا لا يتقن فن الكلام، ولم يعرف التونسيون عنه يوما أنه تكلم من غير ورقة أو كتب مجرد فقرة ناهيك عن المشاركة في ندوات صحفية أو حوارات تلقائية ..
ومع ذلك اعتمد منذ وصوله للحكم قبل 22 سنة سياسة تكميم الأفواه من حوله، تحجيما لطموحات معاونيه المقربين، ومنعا لإضفاء أي شرعية تمثيلية أو سلطة تقديرية لأي من وزرائه أو مستشاريه. وقد أنتج هذا الوضع أمرا واقعا غريبا لنظام أبكم يتهرب كوادره من الكلام خوفا من البروز الذي قد يثير حفيظة الزعيم الأوحد، وخشية من الخروج ولو قليلا عن المرجعية التي يحددها القائد الملهم والأجهزة الاستشارية والامنية التي تنال ثقته وتعمل تحت ظله.

وأمام الحاجة الماسة لحدود دنيا من الحضور الإعلامي، الخارجي أساسا، للدفاع عن خيارات النظام والتهجم على معارضيه وصد الهجمات المتزايدة التي تأتيه من كل صوب، اعتمدت السلطة سياسة التمثيل غير الرسمي المرتكز على بعض الوجوه ذات حدود من الكفاءة الاعلاميه ومن القدرة على المراوغة واتقان اللغة الخشبية، وتكليفها بمهام محددة دون أي هامش للاجتهاد والتصرف. وتحرص هذه الوجوه دوما، للأسباب المذكورة أعلاه، على دفع "تهمة" تمثيل النظام بكل قوة. وفي هذا الصدد لا يفوتني التذكير بالموقف الطريف الذي حدث منذ أيام خلال ندوة حول الانتخابات التونسية نظمتها جمعية طلابية بمعهد الدراسات السياسية بباريس وحضرها مع ممثلي المعارضة الوطنية بعض المكلفين بمهام اعلامية وامنية من قبل النظام التونسي، حيث احتج أحدهم بشدة على عبارة "قريب من النظام" التي اعتمدها أحد المنظمين للتعريف به، مؤكدا أنه يعتبر نفسه "قريبا من الطبيعة ومن الحيوانات .. لا قريبا من النظام" !!
ولعل كل ما سبق يقدم لنا عناصر لتفسير السياسة الاعلامية للنظام القائم خلال هذه الانتخابات المبنية على ملء المشهد الاعلامي بالمكلفين بالمهام مع اجتناب السقوط في فخ الحوارات المباشرة أو التصريحات التلقائية التي تفترض دوما حدودا من هوامش التصرف لا يمتلكها في البلاد غير هرم النظام.

4ـ المشاركة في اللعبة المغشوشة ... لاثبات أنها مغشوشة !

في أغلب بلدان العالم التي يمارس فيها التزوير الانتخابي وتنتهك فيها ارادة الناخبين، ينقسم موقف الأطراف السياسية المعارضة عادة بين توجهي المشاركة طمعا في الحصول على فتات الموائد، أو المقاطعة ورفض المشاركة في تزييف الارادة الشعبية.
أما في بلادنا فينضاف الى هذين الموقفين الواضحين موقف ثالث يسميه اصحابه موقف المشاركة الاحتجاجية الذي تمارسه وتدعو اليه أحزاب وقوى يضم بعضها خيرة المناضلين الذي لا يشكك أحد في وطنيتهم واخلاصهم. والهدف المعلن من موقف البين ـ بين هذا استثمار هذه اللعبة للوصول للناس، حيث تنعدم فرص التواصل في الأيام العادية، ثم كشف خور الانتخابات واظهار زيف الادعاءات بالتعددية والشفافية. غير أن بعض المشككين يضيف الى هذه الأهداف أخرى أقل نضالية كالحصول على المنح المادية التي تهبها الدولة للقوائم المشاركة والحرص على عدم قطع شعرة معاوية مع نظام يعتبر المقاطعة خطا أحمرا لا يسمح للأحزاب "القانونية" تجاوزه.
وبقطع النظر عن أهداف تلك الأطراف وتخطيطاتها، فان الواقع يثبت أن النظام يمتلك وحده خيوط اللعبة الانتخابية حيث يستثمر في كل مرة مشاركتها "الاحتجاجية" بأقصى قدر ممكن لتزيين الديكور واضفاء الشرعية والتعددية الوهمية أمام الرأي العام الداخلي والخارجي، وفي نفس الوقت يضع الحواجز والعراقيل أمام تلك القوى لحرمانها من التواصل مع المواطنين ومنعها من تحويل المشاركة ـ الديكور التي يريد الى مشاركة حقيقية.
وهكذا تجد تلك الأطراف نفسها كل مرة مضطرة في اخر المطاف اما للانسحاب بكف فارغة وأخرى لا شيء فيها عدى الصراعات الداخلية والخلافات مع بقية مكونات الساحة الوطنية المعارضة، واما مواصلة المشاركة في المهزلة الى النهاية وقبول كل التنازلات المهينة التي تفرضها سلطة حريصة على النتيجة أكثر من حرصها على الديكور، دون أن يكون لديها أي وهم في الحصول على أدنى مكسب انتخابي ... ويا خيبة المسعى.
وهكذا يخرج النظام في كل مرة الرابح الوحيد من منطق المشاركة الاحتجاجية، حيث يسحب نسبة معتبرة من المعارضة من خندق المقاطعة الى مسرح المشاركة قبل أن يلفظها كالنواة ويواصل مسيرته المظفرة نحو تأبيد الدكتاتورية ..
فمتى تكسر تلك الأطراف هذه المعادلة الخاسرة وتقطع مع نظام متهالك لا يلقي لها أي اعتبار، ولا يتعامل معها بغير عقلية القمع والابتزاز والاذلال

ان السبيل الوحيد للتصدي لسياسة التزييف والاقصاء التي تنتهجها السلطة، هو التقاء مكونات الطيف الوطني المعارض وقوى المجتمع المدني الحية في استراتيجية نضالية موحدة وابداع أشكال جديدة وجريئة لكسر الحصار المضروب على المجتمع والتواصل مع عموم التونسيين.
ان الحاجة باتت ملحة، والنظام يستعد للتجدد ومن ثمة للتوريث، لنبذ الخلافات الهامشية وتنسيق الجهود من أجل اعادة الاعتبار للتونسيين ونفض الغبار عن كرامتهم وغسل العار الذي ألحقه ببلادنا نظام متخلف حول تونس لأضحوكة في المجالس ومضرب للمثل في الدكتاتورية واستبلاه الشعب.

* كاتب من تونس

الجمعة، 4 سبتمبر 2009

قرصنة جديدة لموقع الدكتور المرزوقي

 
من أراد أن يرى بشاعة القرصنة وضعف خيال المنفذين ونذالة معطي الأوامر المتخفين وراء الستائر فليلق نظرة على موقع الدكتور المرزوقي اليوم قبل أن نجد شيئا من الوقت نصلح فيه ما أفسده العابثون ...
وهذا قدرنا مع قوم تافهين ومرضى يظنون أنهم قادرون على ارهاب الوطنيين بمناظرهم البشعة التي تظل أجمل من أفعالهم وأخلاقهم. ولكن هيهات أن يمسوا من عزيمة الرجال ..
فليعبثوا كما شاؤوا فصولة الطغيان والقرصنة توشك على الاندحار .. وسيعلم سفاحو الكلمة أي منقلب ينقلبون.


عماد الدائمي

الاثنين، 8 يونيو 2009

تونس: التغيير القادم ودور المعارضة المنشود




عماد الدائمي وسليم بن حميدان (*)

ينتاب الكثير من التونسيين اليوم شعور قوي بأن البلاد أضحت على أعتاب تغيير جديد يعيد فيه التاريخ نفسه. كما يتملك أغلبهم وعي ثاقب بأن هذا التغيير لن يكون بانتفاضة شعبية ولا بانقلاب عسكري ولا باستفاقة ديمقراطية لحكام البلاد الحاليين، بل لن يكون الا "بيولوجيا": أي تغيير من داخل الجهاز على اثر وفاة الرئيس الحالي أو ازاحته أو تخليه بسبب المرض في أجل أقصاه آخر الدورة الرئاسية القادمة.

شعور ووعي جماعيان يوحدان أغلب التونسيين ويدفعان بهم إلى حالة إحباط وعدمية غير مسبوقة زادها حدة اهتزاز منظومة القيم والمعاني الناظمة لوجودنا وهويتنا كجماعة وطنية تحلم بالحرية والتنمية واللحاق بركب الأمم المتقدمة.

حالة من الانتظارية المقيتة ومن انسداد الآفاق والخوف من المستقبل سادت أغلب شرائح المجتمع وخصوصا طاقات البلاد وكفاء اتها ونخبها ومستثمريها.
حالة تذكر بقوة بالوضع النفسي للتونسيين في آخر سنوات حكم الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، عندما توقفت الحياة أو كادت، وبلغت الأزمة مداها، وأدرك الجميع من داخل أجهزة الدولة ومن أطراف المعارضة ومن عموم الشعب ومن القوى الدولية والإقليمية المؤثرة أن شروط التغيير تحققت وأن اللحظة آنت ليقطف قطاف الحكم في البلاد. فكان أن جاء انقلاب السابع من نوفمبر 1987 متلقفا انتظارات التونسيين ورافعا لشعارات أعادت للكثير منهم الثقة والأمل، لتنطلق دورة جديدة من الحراك والتدافع كشفت في زمن وجيز عن طبيعة النظام الجديد ونواياه، وأفضت بعد أكثر من عشريتين الى الوضع آنف الذكر الذي أضحت عليه البلاد اليوم.
 وحري بنا والبلاد تبدو على أعتاب تغيير جديد، قد لا يتأخر كثيرا، أن نتمعن جليا في مسار "التغيير السابق" للنظام الحالي ونتدبر في أسباب انتكاسه وارتكاسه الى ما دون الحالة التي انتفض عليها قبل أكثر من عشرين سنة، لنستخلص معالم الواجب الوطني الملقى اليوم على عاتق قوى البلاد الحية وعلى رأسها أحزاب المعارضة الوطنية وفاعلي المجتمع المدني من أجل كسر تلك الحلقة المفرغة وفرض اطار صارم وضوابط مقيدة وكابحة ومرشدة لأي تغيير قادم.

7 نوفمبر 1987 : تاريخ وعبرة   

لم يكن "تغيير" 7 نوفمبر 1987 دستوريا ولا حتى تونسيا.
لم يكن دستوريا لأنه وقع ليلا عندما كانت المؤسسات الدستورية نائمة، ولم يكن تونسيا لأن الأمر جاء من الضفة الأخرى للمتوسط.  
لقد كان انقلابا فرضته الضرورة البيولوجية المتمثلة في بلوغ الراحل بورقيبة سنا لم يعد فيها قادرا على الاستمرار في الحكم. كانت الأوضاع آنذاك تستعد لقبول " تغيير"، أي تغيير، بل تستدعيه حثيثا دون أن تكترث كثيرا لمضمونه أو لفاعليه.

استقبل الشعب التونسي، نخبة وجماهير، تغيير السابع من نوفمبر بكثير من التفاؤل ممزوج بشئ من الحيرة والتوجس.

ومع مرور الأيام سقطت الأقنعة وتبددت الأوهام واستيقظ الجميع على الحقيقة المرة عارية قاسية: رئاسة مؤبدة وديمقراطية مؤجلة وتنمية متعثرة أفقدت التونسيين كل أمل في تحسن أوضاعهم الأمر الذي جعل من الهجرة نحو أوروبا أغلى أمانيهم وقبلة شبابهم.

بعض الساسة والمثقفين التونسيين حذر مبكرا من انطلاء الحيلة ودعا للتعقل قبل إسناد الشرعية للنظام الجديد، لكن المشهد العام والتيار الغالب كان في وضع المراقب الذي ينظر و يتابع ، أو "المتفائل" الذي يأمل خيرا ويبارك ولم يكن كما كان ينبغي أن يكون : الفاعل الذي يوجه ويضغط ويؤثر في مجريات الأمور.

لم يكن ذلك الدور اختياريا بل هو في تقديرنا ناتج عن قصور في العقل السياسي انعكس بساطة في التحليل وضعفا في الأداء بما ضيع عن الوطن فرصة تاريخية ثمينة للانتقال الديمقراطي أو بالأحرى نحو وضع أفضل.  

لقد كانت القوى الوطنية جميعها، في المعارضة كما في الحكم، في حالة من الضعف والانقسام منعتها من لعب أي دور إيجابي في دفع عجلة التغيير نحو وضع أقل سوء.
حيث كانت قوى المعارضة منكفئة على نفسها غارقة في أزماتها أو مواجهاتها مع السلطة، تشقها خلافات ايديولوجية وشخصية حادة. أما الحزب الحاكم وأحزاب الموالاة المشاركة معه في بنية الشرعية السياسية للنظام القديم فقد كانت في درجة من الهشاشة والتشتت، بمفعول صراعات الأجنحة داخلها، مما أفقدها المناعة الداخلية ويسر تهميشها عبر ابتلاع قطاع منها وتحييده أو خنقه وتبديده ليستتب "أمنه" بعدها ويتحول إلى "استراتيجيا" جيش لها النظام الجديد كل إمكانيات الدولة.
وقد مكنت هذه الأرضية الرخوة النظام الجديد من الانتقال، وبسرعة قياسية، إلى طور المبادرة/المناورة السياسية عبر طرح فكرة "الميثاق الوطني" كأداة لبناء شرعية وطنية مفقودة وضمانة لسلم اجتماعية مهددة ووسيلة لاحداث فرز جديد في الساحة يكرس لهيمنة السلطة القديمة المتجددة ويضمن ولاء الأغلبية.

بكل تأكيد، لم تكن الأمور لتؤول إلى ما هي عليه اليوم، من استبداد وفساد، لو كانت القوى الوطنية المعارضة لحكم الرئيس السابق الحبيب بورقيبة مجتمعة حول "عقد سياسي" يوحد مطالبها تجاه أي نظام قادم بغض النظر عن هوية القائمين عليه وحساباتهم ونواياهم.

واليوم، بعد أكثر من عشريتين، وإن كنا نعتقد أن الأوضاع في ظل أي نظام آخر يمكن أن تكون أفضل حالا مما هي عليه الآن في ظل النظام الحالي إلا أننا لا نراها ستختلف عنه جذريا، في قضايا التنمية والديمقراطية خصوصا، إذا ما حافظنا على ذات الشروط الموضوعية أي ضعف المعارضة وتشتتها من جهة، فضلا عن الدور المركزي للخارج وهيمنته من جهة أخرى.

إن نفس الشروط في نفس الظروف تفضي غالبا إلى نفس النتائج رغم أن علم الاجتماع السياسي يؤكد فرادة الظواهر الاجتماعية والسياسية .

تغيير جديد يطرق الأبواب:

ما أشبه حال تونس اليوم بحالها في ربيع 1987. طبقة رقيقة من الهدوء الحذر والاستقرار الخادع و"الفرح" المصطنع، الذي يروج له وينفخ فيه خطاب سياسي خشبي واعلام محلي مدجن وقوى ضغط خارجية متواطئة، تغطي بوادر بركان متأجج أبرز تمظهراته:
ـ شباب يائس وحانق، قتل فيه الفقر والبطالة روح الانتماء للمجموعة الوطنية، ودفعته سياسات الاقصاء والتهميش نحو الأقصى انطواء على الذات أوتطرفا في كل الاتجاهات أو هروبا من الواقع وتعلقا بغاية المنى: الهجرة الى حيث تزدهر صناعة الحياة (ولو كان الثمن هو الحياة نفسها!) ؛
ـ وأزمة اقتصادية واجتماعية مستفحلة يستعر أوارها مع غلاء المعيشة وانهيار القدرة الشرائية لدى أغلب الفئات الشعبية؛ 
ـ وساحة سياسية آسنة، يتربع على رأسها رئيس متهالك يحظى بشرعية متآكلة يرممها جهاز أمني اخطبوطي وحزب مليوني غثائي. وتحاصر هذه الساحة قوى الضغط والمصلحة التي استولت على مركز القرار في الكثير من المجالات وافتكت من الدولة الكثير من الامتيازات. كل هذا في ظل تشتت غير مسبوق للمعارضة وضعف وانتظار يبعث على الاحباط والتشاؤم.

ولعل الفارق الرئيس بين الوضعين هو حدة الأزمات الراهنة وتعقد الأوضاع الحالية أكثر في ظل أزمة عالمية متصاعدة. زد على ذلك أزمة الثقة التي تضاعفت بسبب وأد حلم التغيير وارتكاس وعود الاصلاح بعد عقدين من الخداع.

وهكذا تبدو شروط التغيير قائمة. تغيير استباقي من داخل الجهاز يحول دون انفلات الأوضاع بالكامل أو انفتاحها على المجهول. حيث لن ترضى قوى الضغط والمصلحة والعائلات الحاكمة واللوبيات المتنفذة وكل المنتفعين من الوضع الحالي فقدان مكانتهم وامتيازاتهم، كما لن تقبل القوى الدولية والاقليمية حدوث تغيير غير مرتب له يربك حساباتها ويهدد مصالحها.

ترتيب التغيير القادم بين القوى النافذة، المحلية منها والدولية، يبدو السيناريو الأرجح. ولكن ذلك لا يعني أن قوى المصلحة داخل البلاد (وربما خارجها) ستكون متفقة فيما بينها على الخليفه الوارث. ولذلك تبدو البلاد متجهة نحو حرب خلافة ضروس تؤكد بعض المؤشرات اشتعالها منذ مدة، من مثل اضطراب السياسة الأمنية، تطبيعا أوتصعيدا، في التعاطي مع بعض الملفات الساخنة، أو الاشارات المتناقضة في مسائل التدين وعودة المغتربين والانفتاح الاعلامي.

وبقطع النظر عن هوية "صانع التغيير" القادم، وعن موعد استلامه للحكم، وعن طريقة ذلك الاستلام، فان ما يعنينا من كل ذلك وقوف البلاد اليوم على مشارف مفترق طرق ينتهي معه شوط لرحلة شعب معذب مؤذنا بانطلاق شوط جديد.

وحتى لا تكون الرحلة القادمة هي الأخرى رحلة عذاب فإن الحكمة والصواب تقتضي إعداد العدة وتحسس السبل الآمنة أن نضل الطريق ونتيه في فلاة الاستبداد ربع قرن آخر أو ثلثه (معدل البقاء في السلطة على مستوى الوطن العربي).
يحتاج الطريق الوعر إلى دليل، ودليل الشعوب هي نخبها التي تجدد لها الأمل وتشحن حركتها بالمعنى وتضيء لها دروب الخلاص.

عجز المعارضة عن التغيير:

على الرغم من أننا نقدس سلطان الارادة ونؤمن بقدرة "الفئة القليلة المؤمنة بضرورة التغيير" على جعله حقيقة كما هو جوهر السياسة أصلا فيما هي "فن تحويل اللازم إلى ممكن"، فاننا نقر آسفين بأن المعارضة التونسية عاجزة، بوضعها الحالي، عن صناعة الأمل واحداث التغيير المنشود. عجز اشتركت في احلاله عوامل عديدة أهمها:
ـ انقطاع معارضتنا عن شعبها كعمق طبيعي واستراتيجي، بسبب سياسات السلطة المبنية على المحاصرة وعلى كسر الحلقات الوسيطة، تعبئة وتأطيرا، بين النخب وعامة الشعب وبمفعول عوامل الخوف والتشتت وضعف الوازع الوطني للمواطن / الرعية التي تتحمل السياسة الثقافية للاستبداد فيها النصيب الأوفر من المسؤولية.
ـ ضعف المعارضة وعدم قدرتها على التجدد أو إبداع استراتيجيات نضالية تتجاوز بناها الحزبية الضيقة وإيديولوجياتها التقليدية المغلقة والتي أضحت عاجزة حتى عن تأطير أعضائها وإقناعهم.
ـ انقسامها وتشتتها وعجزها عن تقديم بديل أو حتى خطاب موحد يقنع القوى التي تخشى التغيير الحقيقي أن استمرار الوضع الحالي أو استنساخه لن يقودا لا للاستقرار ولا لحفظ المصالح.

وفي هذا الصدد، علينا أن نعترف بكون عجز المعارضة عن صناعة التغيير هو الذي أفقد الأمل لدى كثير من الشخصيات الوطنية ودفعها إلى بؤرة العزوف السياسي والابتعاد عن الشأن العام في تناقض مؤسف ومؤلم مع قناعاتهم الصميمية وضمائرهم وواجبهم الوطني والأخلاقي.
كما أن السبب ذاته هو الذي ثبط ولا يزال كثيرا من الإطارات النزيهة للدولة ونخبة عريضة من أعضاء الحزب الحاكم عن القطع مع منظومة الاستبداد وحال دون انتقالهم إلى ضفة التغيير الديمقراطي الحقيقي والمسؤول.

إدراكنا لهذه الحقيقة المؤلمة يفرض علينا نقد استراتيجياتنا ومراجعة حساباتنا ورسم أهدافنا بحسب ما يتوفر لدينا من إمكانيات متواضعة.

المعارضة التونسية .. الدور الممكن والمسؤولية الوطنية:

إن العجز عن صناعة التغيير لا يرفع مسؤولية البدء في توفير شروطه عبر نحت قواعده وضبط مساراته ضمن إطار المصلحة الوطنية العليا. ذلك هو الدور التاريخي الذي تأثم معارضتنا أمام الأجيال القادمة إن هي لم تضطلع به كاملا وبشكل فوري.

نعم، ليست المعارضة التونسية قادرة اليوم على صناعة التغيير، ولكنها قادرة قطعا على الالتقاء، معا ومع قطاعات عريضة من النخب التونسية، حول مشروع للتغيير يكون بمثابة "خارطة طريق لحكم وطني رشيد" تفرض على "أي قاطن جديد في قرطاج" احترام شروطها وتنفيذ جميع بنودها فور صدور البيان الأول لـ"عهده الجديد".

مثل هذا المشروع ممكن نظريا وعمليا.

نظريا، يمكننا الجزم بأن إجماعا وطنيا قد تحقق منذ أمد في صفوف معارضتنا حول كبريات القضايا والإشكاليات. وإذا ما استثنينا بعض الحالات المصابة بداء الهوس الإيديولوجي، فإن الاختلاف الوحيد الذي يشقها هو من طبيعة مزاجية تتعلق بالطموحات الشخصية و النرجسيات أكثر منه تمايزا فكريا أو سياسيا.

ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا بأن للاستبداد كل الفضل في توحيد الضحايا ممن جمعتهم السجون والمنافي والمظالم التي لم تكف يوما ولم تستثن حزبا أو نقابة أو قرية أو بيتا.
يشهد على هذه الوحدة الإنتاج الأدبي والسياسي للمقاومة المدنية كما سيل البيانات اليومية للجمعيات "التونسية" للدفاع عن حقوق الإنسان داخل البلاد وخارجها.

أما عمليا، فإن مبادرات الوفاق الديمقراطي وآكس-مرسيليا و 18 أكتوبر، على هناتها ومآلاتها، شكلت كلها إثباتا  قويا لقدرة المعارضة التونسية، عندما تصمم، على تجاوز خلافاتها وتنسيق جهودها.

ودرء للبدايات الصفرية وربحا لوقت ثمين في وضع متحرك، يمكن للمعارضة التونسية أن تنطلق من تجاربها السابقة فتستخرج من مبادراتها الوحدوية معالم وبنود "الميثاق الوطني" الجديد أو ما أسميناه سابقا "خارطة الطريق لحكم وطني رشيد".

ليس المطلوب من الأطراف الوطنية وحدة اندماجية أو جبهة سياسية، لأن ذلك الأمر غير واقعي وغير ممكن اليوم لأسباب ذاتية وموضوعية. ولكن المطلوب، والممكن، الالتقاء على مجموعة من المبادئ العامة والمطالب المشتركة وتدوينها وطرحها للساحة، والعمل على تحقيق أوسع اتفاق وطني ممكن حولها حتى تتحول الى مرجعية تستظل كل أطراف المجتمع المدني تحت ظلها، وتصبح بمثابة "كراس شروط" لن يجد أي نظام قادم بدا من احترامها لتحقيق الشرعية وضمان الاستقرار.

إن التنزيل العملي لهكذا مبادرة لا يحمل مختلف أطراف الطيف الوطني سوى حدود دنيا من التنسيق والاعداد المشترك (وحدود عليا من المسؤولية الوطنية وحساب المصلحة)، ويضمن لها مقابل ذلك الحفاظ على استقلالية القرار وحرية المبادرة.
ومن هذا المنظور، يصبح الانقسام الحاصل الآن بين مختلف الفرقاء حول الموقف من الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة، سواء بالمشاركة الاحتجاجية أو المقاطعة المبدئية، مجرد حيثية في قرار وطني موحد لإدانة الاستبداد ومقاومته كما تصبح الإصطفافات الإيديولوجية والسياسية مجرد فواصل بسيطة في دفتر المسألة الوطنية.

المتأكد لدى كل التونسيين، بما في ذلك النظام الحاكم نفسه، هو كون التحديات التي تواجهها تونس أخطر بكثير من استحقاق انتخابات صورية باردة يعلم الجميع نتائجها حتى قبل أن يتقرر موعدها والمعينون لخوض غمارها.
كما أنه من المتأكد لدى المراقبين للشؤون التونسية، بما في ذلك أصدقاء النظام، هو أنه يستحيل حكم المستقبل بذات البنية والآليات السياسية التي حكمت الماضي ولا يزال أصحابها اليوم مصرّين على التجديف بها عكس تيار المجتمع والأمة والعولمة.
إن تغييرا وشيكا على رأس السلطة هو فرصة التونسيين الوطنية القادمة، فيما هي مرحلة بناء الشرعية، لفرض شروط الانتقال الديمقراطي.
فما من ريب عندنا في أن الرئيس القادم سيحتاج هو الآخر لبعض الوقت حتى يتمكن من تثبيت أركان حكمه الجديد وحمايته من كل الأخطار المحتملة. وفي انتظار ذلك فإنه سيكون مضطرا للمغازلة وتقديم التنازلات تنفيسا للاحتقان وتمايزا عن العهد القديم وتمهيدا لبناء شرعية مستقلة توفر الاستقرار اللازم لضمان تدفق الدعم الأجنبي له.
ذلك هو دوره الطبيعي وسيلعبه حتما بحرفية فائقة أما الدور الطبيعي للمعارضة فيجب أن يكون تحويل المغازلة إلى منازلة عبر الضغط الفعال من أجل التحويل الفوري للبيانات والوعود الخشبية إلى قوانين دستورية. 

إن القدرة على المنازلة تتطلب تفعيلا لدور قوى المعارضة وتجديدا لهياكلها، كما تتطلب منها رفضا مبدئيا للانخراط في لعبة التحالف المصلحي أو الإيديولوجي مع هذا المرشح للخلافة أو ذاك، لأن الاصطفاف وراء المرشحين المفترضين ومنحهم صكوكا بيضاء أو شهادات براءة وحسن سيرة، يعد أكبر خدمة لآفات التسلط والاستفراد المتمكنة لدى كل من ترعرع في ظل النظام الاستبدادي.

إن منطق المسؤولية الوطنية يحفز التونسيين إلى مزيد من اليقظة والثقة والأمل تماما كما تدفعهم التجربة السياسية للعقدين الأخيرين نحو فائض من الحيطة والتوجس والحذر لأن الجحر الذي لدغوا منه ذات ليلة لا زال يأوي الكثير من الأفاعي الغادرة.
(*) كاتبان من تونس