الاثنين، 2 يونيو 2008

العقل الأمني للسلطة وسياسات المرحلة


ماذا لو سحبنا ورقة العودة من ابتزاز العقل الأمني؟

بقلم عماد الدائمي
عليك بالصمت حتى 2009، إثر ذلك يمكنك الكلام إن شئت” كلام قاله أحد مسؤولي “أمن الدولة” بلغة تهديد ووعيد للكاتب الحر توفيق بن بريك منذ أيام. ويعكس هذا الكلام تماما رغبة السلطة في إخراس كل صوت يمكن أن يزعجها أو يفسد عليها إعدادها لانتخابات 2009.
في هذا الاطار نفهم الحملة الشرسة التي أطلقها النظام في الفترة الأخيرة على من يعتبرهم رؤوس الفتنة في البلاد وأصحاب الألسن الطويلة (أم زياد، عبد الرؤوف العيادي، عبد الوهاب معطر، عبد الكريم الهاروني، عبدالله الزواري، مسعود الرمضاني، سليم بوخذير، سهام بن سدرين، عمر المستيري، توفيق بن بريك …). حملة شملت كل أنواع الردع والترهيب والانتقام من حجز الأموال وتسليط سيف الضرائب الجائرة، إلى تلفيق الأشرطة الفاضحة والاعتداء على الأعراض الشريفة، إلى تضييق الخناق والحصار الدائم، إلى الاستفزاز والتهديد، وصولا الى التعنيف الشديد.
وفي هذا الاطار أيضا نفهم الرد الأمني المفرط على التحركات الاجتماعية التي شهدتها مناطق الجنوب الغربي التونسي، والقمع الشديد الذي يتعرض له شباب المنطقة المنخرط في تلك الاحتجاجات في هذه الايام لوأد تلك التحركات واخمادها ومنع انتقال العدوى الى المناطق المجاورة.
ويبدو أن تزامن كل هذه الخطوات القمعية والضربات الاستباقية هو مؤشر على وجود خطة حددها العقل الأمني للسلطة شعارها إخماد صوت أي شخص تحدثه نفسه التشويش على “الاستحقاق الرئاسي” للسنة المقبلة.
العقل الأمني ومصادرة السياسي
يبدو جليا بما لا يدع مجالا للشك أن العقل الأمني الذي وضع هذه الخطة هو نفسه الذي يمسك بزمام المبادرة السياسية في البلاد ويطوع المؤسسات التشريعية والتنفيذية والحزبية لغرض تحقيق هدفه المركزي للمرحلة : تجديد شرعية السلطة في انتخابات السنة القادمة دون احداث أي درجة من درجات الانفتاح ودون قلاقل داخلية وفضائح خارجية. وهكذا كان التحوير الدستوري الأخير الذي أعلنه هرم السلطة بنفسه يهدف بدون لف ولا مواربة لاقصاء كل من يمكن أن تسول له نفسه أن يفسد الخطة وأن لا يحترم قواعد اللعبة المرسومة مسبقا أو أن يتجاوز الخطوط الحمراء ذات السقف المتدني.
ولا شك في أن الكثيرين من الوطنيين في الدوائر المعنية بالقرار السياسي غير موافقين على هذا المسار ولكنهم مغلوبون على أمرهم ولا حيلة لهم أمام سطوة العقل الأمني وسلطته.
العقل الأمني والتعامل مع قضية المهجرين
الفصل الثالث من الخطة الأمنية المفترضة للمرحلة القادمة، بعد فصلي قمع المعارضة الراديكالية داخل البلاد (معارضة المقاطعة) والتضييق على معارضة المشاركة، يعنى بالتعامل مع ملف المهجرين الذي أصبح حاضرا بكثافة في الساحتين الداخلية والخارجية والذي يهدد بالتحول الى مصدر ازعاج شديد وتشويش خطير قبل وأثناء وبعد الانتخابات القادمة.
في هذا الملف، كمثله من الملفات، افتكت الأجهزة الأمنية القرار من مصدره الطبيعي (الخارجية والقضاء) وهي تسعى الى حلحلته أو بالأحرى تصفيته بتخبط شديد وعقلية أمنية صرفة هدفها الأوحد كسر وحدة المهجرين وضرب البعد السياسي للقضية بتحويلها من ملف عام شامل سياسي بامتياز الى ملفات شخصية منفصلة تدرسها بانتقائية شديدة وتبت فيها من خلال معايير تبدو ذكية أحيانا، عندما يتعلق الأمر بتحييد مناضلين أوتشتيت مجموعات متماسكة. غير أنها تبدو في غاية من الغباء والتخلف عندما ترفض ملفا “يخدم مصالحها” أو عندما تتعنت في ملف انساني صارخ فاضحة نواياها غير الصادقة..
ورغم تخبط السياسات الأمنية تجاه “ملف العودة” وضبابية الموقف العام، يمكننا من خلال مؤشرات عديدة توقع معالم الخطة الأمنية المرحلية حول هذا الملف. حيث لن يبتعد كثيرا عن السيناريو التالي:
ـ مواصلة التعامل بشكل انتقائي بطئ مع الملفات لابقاء الوضع تحت السيطرة، وربحا للوقت حتى اقتراب الانتخابات حيث قد يقوم الرئيس ـ المترشح لخلافة نفسه ب”مبادرة كريمة” للسماح بعودة العشرات من اللاجئين لتلطيف الأجواء ولكسب بعض الشرعية، كما كانت العادة سابقا في التعامل مع المساجين السياسيين.
ـ عزل عدد من الناشطين من “مثيري الفتنة” عبر سياسة مزيج من الترغيب والترهيب وتشويه السمعة وصولا الى التأديب بأشكال انتقامية خفية وغادرة. ولعل ما راج من شائعات في الأيام الأخيرة من وجود مخطط لقمع بعض الوجوه المهجرية يدخل في باب الحرب النفسية من أجل اسكات الأصوات المزعجة.
غير أن الموقف الأمني من مسألة العودة سيظل مرتبطا ومحكوما في تطوره بموقف المهجرين أنفسهم : ان هم قبلوا بشروط اللعبة المفروضة وواصلوا انتهاج سياسة الخلاص الفردي وسكتوا عن المماطلات والوعود الكاذبة فستظل السياسة الأمنية على حالها ولربما تعنتت أكثر. وان هم التفوا حول مشروع جماعي لفرض حق الجميع في عودة كريمة ومسؤولة ورفضوا الاذعان للشروط المجحفة وأبوا دفع ثمن، مهما قل، لعودتهم فلن يجد النظام بدا عن التنازل.
الحلقة الأضعف
وهكذا يبدو لنا من خلال ما سبق أن “ملف المهجرين” مؤهل ليكون الحلقة الأضعف في السياسة الأمنية التي يراد لها ادارة المرحلة حتى موعد الانتخابات القادمة. حيث أن فاعلي هذا الملف هم الأكثر تحررا والأيسر مبادرة والأشد قدرة على الكر والايلام نتيجة لوجودهم حيث مصدر شرعية النظام وحيث مورد رزقه (السياحة والاستثمارات) ونتيجة لعدالة قضيتهم التي ستجلب لصفهم الكثير من القوى المؤثرة. كما أن العقل الأمني سيجد نفسه محاصرا بين أمرين أحلاهما مر : مواصلة التعنت وما سيؤدي اليه ذلك من مزيد احتقان للأوضاع وفضائح ستفسد عليهم حفلتهم، أو فتح الأبواب وما يعنيه ذلك من خروج للأمور عن السيطرة ومن انتقال “المعركة” الى داخل البلاد.
أحد الأصدقاء توقع أن يتوجه العقل الأمني الى خيار ثالث جوهره التسريع بحل الوضعيات العالقة والملفات المفتوحة في عملية استباقية للحملة التي هي بصدد الاعداد كسرا للديناميكية الوليدة ومواصلة التعاطي الشخصي الانتقائي مع الملفات القادمة. ورغم أنني أشكك في امتلاك الأجهزة لهامش المناورة هذا، فانني أعتقد أن الأمر ان تم فانه سيكون النصر الأول لحملة لم تنطلق بعد، حيث أن العودة الكريمة لأي مهجر الى بلاده هي انتصار لكل المهجرين
يبقى الخيار الأفضل للبلاد والعباد أن تتوفر ارادة صادقة لانهاء المظالم وفتح البلاد لكل أبنائها والسعي الى تحقيق المصالحة الوطنية المنشودة. وهذا يتطلب أمرا مركزيا : أن يتأخر العقل الأمني خطوة ويترك مكانه لعقل وطني سياسي ولعل الدولة والادارة وحتى الحزب تعج بوطنيين مخلصين يحملون هذا العقل

الأحد، 18 مايو 2008

أيها المُهَجَّرون التونسيون اتحدوا

بقلم عماد الدائمي وسليم بن حميدان

يعيش مئات المهجرين التونسيين في المنافي منذ ما يناهز السبعة عشر عاما للكثير منهم وما يفوق ربع قرن كامل لآخرين.
محنة طويلة وقاسية اضطرتهم لها محاكمات سياسية صورية وملاحقات أمنية ومضايقات طالت الأهل والأصدقاء في خرق فاضح لدستور البلاد (الفصل 11) وللمواثيق الدولية التي تجرم تغريب الدولة لمواطنيها أو منعهم من العودة إليه.
لن نتحدث في هذا النداء عن كارثة الاستبداد التي ابتليت بها بلادنا ولا عن المظالم التي سلطها على عموم أفراد الشعب، تكميما للأفواه وانتهاكا للأعراض وتضييقا للأرزاق ومصادرة للأملاك، فذلك أمر مفروغ منه لا يجادل فيه وطني صادق، ثم إن المجال لا يتسع إليه هنا.
ما أردنا التنبيه إليه هو مسؤولية المهجرين أنفسهم عن طول محنتهم وعجزهم عن تحويلها قضية حقوقية وسياسية وطنية تزيد في فضح ممارسات النظام وادعاءاته الكاذبة في مجال الحريات واحترام حقوق الإنسان.
سياسة مقصودة أم قعود آثم، احتمالان اثنان لا ثالث لهما.
بعض المهجرين يعتبر قضية التهجير ثانوية مقارنة بقضية المساجين وأنه ينبغي التركيز إعلاميا على هذه الأخيرة وعدم التشويش عليها بملفات أخرى.
كلمة حق أريد بها تبرير عجز. صحيح أن قضية المساجين السياسيين ذات أهمية قصوى وهي تستوجب تضافر الجهود السياسية والإعلامية من أجل التعريف بها في جميع المحافل المحلية والدولية.
ولكن الصحيح أيضا هو التفاف المعارضة التونسية بجميع أطيافها حول مطلب تسريحهم. بل إن تخصص بعض الجمعيات، مثل الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين وجمعية حرية وإنصاف والمجلس الوطني للحريات وجمعية العمل والحقيقة وجمعية التضامن التونسي بباريس وجمعية مناهضة التعذيب وجمعية صوت حر وغيرها من الجمعيات والهيئات، كاف في نظرنا للدفاع عنهم والتعريف بقضيتهم.
في المقابل، ظلت قضية المهجرين نسيا منسيا رغم الارتباط التاريخي والسياسي بين القضيتين. فكلاهما من كوارث الاستبداد وجهان لعملة واحدة: سجن هنا وتهجير هناك.
إن إغفال قضية المهجرين أو تأجيلها في ساحة الحراك الحقوقي والسياسي لن يخدم قضية المساجين بقدر ما يخدم الاستبداد.
فهو يحرم المعارضة الوطنية من ملف حقوقي وسياسي محرج للاستبداد ومن جبهة ضغط قوية باعتبار مساحات الحرية التي تتوفر لها على الصعيد الإعلامي.
كما أن الصمت عليها يوفر للاستبداد فرصة ثمينة للاختراق وتفتيت جبهة الصمود عبر ابتزاز بعض المناضلين وتحييد آخرين مقابل عودة آمنة أو جوازات غير صالحة للاستعمال بمفعول الغدر المتوقع.
إن صمت المهجرين عن حقهم في العودة الكريمة والمسؤولة يدعم الفرضية القائلة باستحسانهم حياة الرغد والرفاهية التي توفرها الدول الأوروبية وتحولهم من أصحاب قضية إلى كائنات استهلاكية.
ثم إن صمتهم سيطيل في آماد محنتهم لأن صاحب الحق أولى بالدفاع عن حقه. وإن كان للسجين عذر في سجنه فليس للمهجر عذر في صمته.
ليس أمام المهجرين إذن إلا خيار واحد : الاتحاد والنضال من أجل افتكاك حقهم في العودة الآمنة والتنقل الحر.
أما استمرار الصمت فلن يؤدي إلا إلى سقوط الحق بالتقادم أو الانتقال به، في أفضل الأحوال، إلى السجل الذهبي للذاكرة الوطنية.

الأربعاء، 2 أبريل 2008

مراجعات سياسية وإرادة وطنية


عماد الدائمي وسليم بن حميدان

لقد كان انبعاث المؤتمر من أجل الجمهورية سنة 2001 تلبية لحاجة حقيقية وملحة في الساحة التونسية، حيث ولد في ظل  انسداد سياسي تام واختلال في موازين القوى بين سلطة تعتبر نفسها اللاعب الوحيد في الميدان ومعارضة مشتتة ومجزأة  تفرقها الايديولوجيا والزعامة وترتيب الأولويات.

ولد المؤتمر في ظل ذلك الوضع وولد معه أمل في تجميع الفرقاء وتكتيل الجهود لمحاربة الدكتاتورية وبناء البديل الديموقراطي المنشود. عاملان رئيسيان ساهما في بناء هذا الأمل أولهما فلسفة التأسيس: كإطار نضالي مفتوح متحرر من القيود الإيديولوجية و الولاءات الشخصية، متخفف من القيود التنظيمية والهيكلة الكلاسيكية. وثانيهما هوية المؤسسين: كثلة من المناضلين المشهود لهم بالمصداقية والنزاهة والمبدئية والجرأة في الحق، وكعينة ممثلة لأغلب قطاعات المجتمع وتياراته رجالا ونساء، شبابا وكهولا، مقيمين في البلاد ومهجّرين، من مشارب إيديولوجية وفكرية متعددة : عروبيين واسلاميين ويساريين ...

هكذا ولد الأمل، وأصبح المؤتمر في وقت وجيز محط أنظار المراقبين في الداخل والخارج، وفرض نفسه كمحرك لعربة المعارضة وكناطق باسم قوى الشعب الغاضبة. حيث لامس خطابه الحاد والحاسم تجاه السلطة، إلى حد التشنج أحيانا، مشاعر وضمائر الشعب المقهور، وجرأ الكثيرين من أفراد وجماعات على سلطة أضحت في وضع المدافع لا المهاجم.  كما دفع هذا الخطاب بقية الأطراف الوطنية المعارضة لرفع سقف الخطاب والمطالب وللاقتراب من المؤتمر، اقتناعا أو اضطرارا، والالتقاء معه على مواقف كانت في السابق من المحرمات حتى لا تنعزل وتوصم بالتخاذل.

بعض هذه الأطراف سرها أن يكون المؤتمر على يسارها كي تثبت للنظام كما للخارج أنها غير متطرفة، وأخرى جارته لكي لا تتركه يستأثر بالريادة، وأخرى قبلت به شريكا إلى حين.

ظل هذا الأمل يتصاعد أحيانا ويخفت أخرى حسب نسق المد النضالي والتحركات الإعلامية والميدانية التي كانت غالبا موسمية أو مناسبتية. وبلغ مداه قبيل ندوة أكس ـ مرسيليا للمعارضة التونسية، حيث كانت هذه الأخيرة متكتلة على وشك أن تضع حجر الأساس لمشروع وطني مشترك لـ"تونس المستقبل" قبل أن تنتكس وتتراجع نتيجة لشكوك البعض ومخاوف البعض الآخر من ردة فعل السلطة ورواسب الخلافات الإيديولوجية الضيقة والشخصية المقيتة.

أعقبت تلك الخيبة سياسة انكفائية متوترة قامت على التقوقع على الذات وتأكيد التمايز مع أغلب الشركاء السابقين ونفض اليد منهم باعتبار التعويل عليهم مضيعة للوقت وهدرا للجهود.
وكان من الطبيعي أن تؤثر هذه الانتكاسة والمشاكل التي تزامنت معها في المناخ العام داخل الحزب وأن تدفع بالبعض للانسحاب وبالبعض الآخر للاستثمار في أطر أخرى حقوقية ومهنية وإعلامية. وكاد الحزب أن ينحل لولا مسؤولية أعضائه، كلهم بدون استثناء، ولولا حدوث أمرين أولهما إقدام السلطة على اعتقال المحامي محمد عبو عضو المؤتمر الذي دفع الجميع للانخراط في معركة تحريره والثاني هو قيام ما سمي بـ"حركة 18 أكتوبر" وما رافقها من تحركات ميدانية واتصالات سياسية انخرط فيها بعض الأعضاء وشغلتهم عن مشاكل الحزب الداخلية.

وقد شكلت محطة 18 أكتوبر منعرجا حاسما في مسيرة الحزب وانقسم الجمع الى فريقين: فريق يائس محبط من استمرار الخطاب الاحتجاجي لدى المعارضة وعدم قدرتها على إعداد البديل، وفريق "متشائل" يعتبر الالتقاء على الحد الأدنى أهون الشرور وأفضل حالا من التشتت والانقسام.

ولا شك في أن انحراف حركة 18 أكتوبر عن زخم التأسيس ووعوده، ودخولها في متاهات الجدل الإيديولوجي العقيم وصراعات الزعامة الموهومة، عوض مواصلة العمل النضالي الميداني، إضافة إلى المناورات السياسوية المفضوحة لإقصاء رئيس المؤتمر عن الحلقة الضيقة للتحرك.. لا شك أن كل هذه العوامل دفعت بالحزب إلى وأد أمل "العمل المشترك" وإلى تبني خطاب ثوري "حالم" يتوجه مباشرة إلى التونسيين محملا إياهم مسؤولية التغيير وداعيا إلى العصيان المدني والنزول إلى الشوارع للإطاحة بالدكتاتورية وإقامة النظام الجمهوري الحقيقي على أنقاض الجمهورية المزيفة.

وقد ساهم هذا الخطاب في تعميق هوة الخلاف بين الحزب وشركائه السابقين إلى حد القطيعة. كما أدى إلى تعميق الهوة بين جناحين في الحزب أحدهما ملتف حول الرئيس يدعو إلى الثبات والصمود والعمل "من أجل التاريخ "، والثاني يدعو الى الواقعية والبراغماتية والفعالية الآنية.

فكان أن انفرط الشمل بهدوء ومسؤولية دون أن ينشر الغسيل أوتصفى الحسابات، كدليل آخر على مسؤولية كل المؤسسين ونضجهم ورصانتهم.

ودخل الجميع في رحلة مراجعات للتجربة والخط والخطاب قادت البعض إلى الانسحاب المعلن والبعض الآخر إلى أخذ مسافة عن النشاط الحزبي والسياسي والانغماس في العمل الحقوقي أو الفكري، والبعض الآخر إلى الرجوع إلى نقطة البدء والسعي إلى إعادة إحياء الحزب على الأسس التي بني عليها باعتبار حاجة الساحة الماسة إليه وعجز الأطراف الأخرى مجتمعة على ملأ الفراغ الذي تركه. وتقودنا هذه المراجعات اليوم، من منطلق المسؤولية، إلى وضع أيدينا في أيدي رئيس الحزب والإخوة المتمسكين معنا بهذا الإطار من أجل إعادة بنائه على أسس جديدة تقطع مع سلبيات الماضي وتعيدنا إلى عمقنا الوطني ومحيطنا الطبيعي وترشد خطابنا وممارستنا دون تنازل عن الثوابت أو مساومة عن الحقوق.

 ماذا يجب أن يتغير:

 سؤالان مركزيان كان علينا الإجابة عليهما قبل أن نحدد ما يجب أن يتغير في خط المؤتمر وخطابه وممارسته السياسية. الأول: ما الذي تغير أصلا منذ لحظة التأسيس قبل 7 سنوات حتى يكون التغيير حتميا ؟ ثم ما المطلوب توفره من شروط لتحقيق الآمال العظام في التخلص من الاستبداد وبناء الدولة الديمقراطية التي اجتمعنا حولها والتي لا زلنا عاجزين عن الاقتراب حتى من شروطها الدنيا ؟

بخصوص السؤال الأول، يبدو التشخيص للوهلة الأولى متشابها مع الوضع الذي قررنا فيه مع شركائنا تأسيس الحزب، لا يختلف عنه إلا في حدة الأزمات التي كانت البلاد تعيشها ولا تزال (ازديادا)، وفي مدى ضغط القوى الداخلية والخارجية (تقلصا) على نظام ازداد انغلاقا وتمسكا بالسلطة، كما ازداد خبرة وقدرة على المناورة وشق الصفوف.

عاملان جديدان إنضافا للمعادلة خلال السنتين الأخيرتين ليزيدا من أمل النظام الحاكم في الحياة والتواصل دون حاجة لإحداث إصلاحات حقيقية أو تغييرات جوهرية هما:
  ـ انفضاض شمل المعارضة وانهيار محاولات العمل الوطني المشترك في الواقع (وفي العقول وهذا أخطر) وما رافق ذلك وما نتج عنه من ضرب لكثير من مكاسب النضال الوطني في العشرية التي خلت على جميع المستويات السياسية والإعلامية والجمعوية، وعلى مستوى التواصل مع الرأي العام والتأثير فيه، في تقهقر واضح وفي عودة مخجلة إلى الوراء معاكسة للتيار العام في المنطقة والعالم.
ـ خروج مارد الإرهاب من قمقمه، بشكل عفوي أو مفتعل، وما أدى إليه من إعطاء الحجة للسلطة للإمعان في الانغلاق وتضييق الحريات ومن إضفائها شرعية دولية جديدة غطت أو تكاد سجلها الحالك في انتهاك حقوق الإنسان .ولعل من أبرز ضحايا فكر العمل المسلح الوليد منهج "معارضة التمنع" أو ما اصطلح عليه بالمعارضة الراديكالية وعلى رأسها المؤتمر حيث أصبحت دعوات المقاومة السلمية التي كانت في السابق أسمى تعبيرات الشجاعة والإقدام "لعب عيال"  أمام "نداء الجهاد" و"صوت البندقية" وصار هذا الخط محاصرا بين معسكرين كل يلفظه ويرميه للمعسكر الثاني: معسكر المواجهة (التنطع) ومعسكر المشاركة (التخاذل).

أما في خصوص السؤال الثاني، فالجواب لا يقل بداهة ولا يختلف نظريا حوله معارضان وطنيان. ولن نزايد على إجماع الفاعلين في الساحة ـ إلا من استثنى نفسه من المهووسين بالخلاف الإيديولوجي ـ بضرورة نبذ الخلافات والتقاء المعارضة بمختلف أطيافها حول مشروع وطني مشترك، كعشرات التجارب الناجحة حول العالم، يضمن لها في أقصى الحالات تحقيق التغيير المنشود وفي أدناها افتكاك بعض الحقوق ودفع السلطة للتراجع ولإحداث نوع من الإصلاح الذاتي لضمان  تجددها وتواصلها.

يظل هذا الشرط هو مربط الفرس لأي تغيير منشود. وهو يفترض تأسيس إطار جامع للتفكير والتقرير والتنزيل، وتقديما لمصلحة البلاد العليا على المصالح الفئوية والشخصية الضيقة، ومزاوجة في الممارسة المشتركة بين صلابة المواقف المبدئية ومرونة التفاوض من أجل تحقيق الأهداف، الأهم فالمهم.

 يتطلب كل هذا خطوات أولها "وقف إطلاق النار" بين قادة المعارضة أي إيقاف حملات التشويه والتخوين المتبادلة المعلنة أحيانا و المبطنة أحيانا أخرى. ثم القيام بخطوات لإعادة بناء الثقة التي اهتزت. وإن صعب الأمر على زعامات الأحزاب أن تقوم عمليا بهذه الخطوات، بل قد يستحيل الأمر نظرا لمخزون الخلافات بل قل الأحقاد الراكدة بينها، فلتترك أمر بناء الثقة وإحياء العلاقة إلى القيادات الشابة الخالي ذهنها من هذه الاعتبارات. عندئذ يصبح الالتقاء ممكنا والعمل من أجل تحقيق الأحلام المشتركة واقعا.

الآن وقد أجبنا على السؤالين، يمكننا القول، انطلاقا من تقديرنا لدقة المرحلة ووعينا بشروط الخروج منها، أن إحياء المؤتمر من أجل الجمهورية وإعادته إلى ساحة الفعل والفعالية يتطلب إحداث تغييرات حقيقية عناوينها الكبرى :
ـ إعادة بناء المؤسسات الداخلية للحزب ووضع آلية قانونية لفض النزاعات إن وقعت وتنقية الأجواء الداخلية عبر استبعاد الحساسيات الإيديولوجية والشخصية المفرقة.
ـ تطوير خطاب المؤتمر من خطاب "ثوري" حاد يعبر عن الحقيقة "الطهورية" ويغازل الوجدان الشعبي المائل بطبعه دوما للتصعيد و"التجنيح"، إلى خطاب متزن يعرف حدوده ويحترم إمكانياته، يحافظ على ثوابته دون توتر أو تشنج، يناصر الأصدقاء ويلاطفهم دون تملق، ويتصدى للغرماء بحزم وصرامة دونما تهديد ووعيد.
إن مثل هذا الخطاب أقدر، بنظرنا، على طمأنة شركاء الماضي والمستقبل وعلى فتح قنوات اتصال مع القوى الداخلية والخارجية المؤثرة في وضع البلاد وعلى تفعيل طاقات كثيرة تتعاطف مع المؤتمر لجرأته ولكن تخشى الاقتراب منه لـنزوعه الصدامي وحديته.
 ـ السعي لإعادة بناء جسور الثقة مع إخواننا في المعارضة الوطنية الديمقراطية والإسلامية وخفض الجناح لها وتجاوز الخلافات ومن ثمة المساهمة في إعادة طرح مبادرات ومشاريع للعمل الوطني تبني على المشترك وتحترم الخصوصيات والتقديرات المختلفة.
ـ بناء إستراتيجية جديدة للاتصال توصل أفكارنا وتصوراتنا الى فئات من المجتمع كنا نلحقها تعسفا بالسلطة من مثل الإدارة التي لولا وجود وطنيين مخلصين فيها لسقطت الدولة منذ زمان تحت وطأة الفساد والانفراد بالقرار ومن مثل النقابة التي تشهد انبعاثا جديدا خصوصا في صفوف القيادات الوسطى القطاعية والجهوية ومن مثل الإعلام الذي بدأ ينفض عنه تدريجيا غبار التبعية والرقابة الذاتية الخانقة، إضافة الى فئات أخرى أهملناها سابقا من مثل الطلبة من مختلف الأطر والتيارات والمهاجرين المتشبعين بقيم الديموقراطية والتداول في بلدان إقامتهم والحريصين على تقدم وازدهار بلدهم الأول : تونس.
 ـ إدخال جرعات من المرونة في سلوكنا السياسي تمكننا من تقديم أهداف صغرى على الأهداف الكبرى كلما اقتضى الأمر ومن التحاور مع السلطة إن فتح الباب ومقايضة الاعتراف الواقعي بها بإجراءات إصلاحية حقيقية تصب في خانة الوئام الوطني المطلوب. مع التأكيد على أن تكون هذه المرونة مقيدة بضوابط مبدئية صارمة تمنع المساومة على الثوابت وترفض سياسة اليد المرتعشة الممدودة دونما مقابل، وتقف بعين المرصاد لمحاولات شراء الذمم وتمييع القضايا.

هذا ونختم مراجعاتنا بالتأكيد على :

 ـ اعتزازنا بالانتماء إلى حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وتمسكنا به كقلعة من قلاع النضال من أجل مستقبل أفضل لبلادنا ووفاءنا لمناضليه خصوصا لصديقنا سليم بوخذير سجين الرأي المنكل به حاليا في سجون النظام واعترافنا بالفضل لكل من رافقنا مسافة من الطريق الصعب ثم مضى، مستودعين إياه وطنا لن تضيع ودائعه.
  ـ صداقتنا وتقديرنا لكل الشخصيات المناضلة من أجل الديمقراطية في بلادنا من مختلف التيارات والانتماءات ودعمنا لكل الأحزاب والجمعيات العاملة من أجل تحقيق ذلك الهدف واعتبارها مكاسب وطنية وممتلكات عامة ينبغي الذود عنها ونصرتها في الحق حتى يستوي بنياننا على أركانه قويا معافى.
ـ حرصنا الكبير، نحن اللاجئين اضطرارا والمُهَجَّرَيْن ظلما وعدوانا، على حقنا في العودة إلى وطننا دونما قيود أو شروط، ورفضنا المطلق لأي ابتزاز أو دفع ثمن لها، ودعوتنا كل الوطنيين الصادقين أن يدعمونا ويدعموا حق كل المغتربين في العودة الكريمة إلى بلادهم بالتوازي مع دعمهم حق مساجين الرأي في الحرية والمسرحين منهم بالعيش في كرامة، وأن يلتف الجميع حول مطلب العفو التشريعي العام كمدخل لإنهاء المظالم ولبدء تحقيق المصالحة الوطنية الحقيقية بديلا عن المصالحات الوهمية أو المغشوشة.

http://www.tunisnews.net/02april08a.htm

الأربعاء، 13 فبراير 2008

Leila Ben Ali reçoit la haute distinction "Compagnon de Melvin Jones"


Mme Leila Ben Ali reçoit la haute distinction "Compagnon de Melvin Jones"

de l'Association Lion's Club



CARTHAGE, 09 Fév 2008 (TAP) - Mme Leila Ben Ali, épouse du Président de la République et présidente de l'Association "Besma" pour la promotion de l'emploi des handicapés a reçu la haute distinction "Compagnon de Melvin Jones" de l'Association internationale Lion's Club en signe de reconnaissance à ses efforts en matière de prestations sociales et de considération pour son action humanitaire en faveur des catégories à besoins spécifiques.

Au cours de l'audience que lui a accordée, samedi matin, l'épouse du Chef de l'Etat, M. Mahendra Amara Sourya, président de l'Association Internationale des Lions clubs, a remis cette décoration à Mme Leila Ben Ali.

Il a fait part, à cette occasion, de l'honneur qui lui est échu d'avoir décerné cette haute distinction qui traduit l'hommage rendu par les membres de l'Association internationale aux initiatives humanitaires de l'épouse du Président de la République dans le domaine de l'activité associative et de l'action humanitaire.

L'audience à laquelle ont assisté notamment MMES Najeh Belkhiria Karoui, secrétaire d'Etat auprès du ministre des affaires sociales, de la solidarité et des Tunisiens à l'étranger chargée de la promotion sociale et Jeyna Manoj, épouse du président de la 13ème conférence africaine organisée par l'Association internationale des Lions Club à Tunis, a été une occasion au cours de laquelle l'épouse du Chef de l'Etat s'est intéressée aux travaux de cette conférence soulignant son soutien et son encouragement à tous les efforts visant à promouvoir la noble action humanitaire.

Mme Leila Ben Ali a donné un aperçu des activités de l'association Besma pour la promotion de l'emploi des handicapés et des programmes accomplis en leur faveur dans les domaines de la santé, de l'adaptation, de la formation professionnelle et de l'emploi.

M. Mahendra s'est déclaré heureux de cette rencontre qui lui a offert l'occasion d'informer l'épouse du Chef de l'Etat des activités des Lions Club dans le monde et de réaffirmer l'attachement de l'Association internationale à renforcer sa coopération avec la Tunisie notamment en matière de services fournies au profit des handicapés.

  
COMMENTAIRES :
1- La distinction "Compagnon de Melvin Jones" n'a rien d'exceptionnel et  n'est pas du tout un prix international accordé à une "personnalité extraordinaire" comme on a voulu le présenter dans les médias officiels. Il s'agit d'une simple plaque (avec un insigne et une lettre de félicitations) envoyée à TOUTE personne qui envoie un don de 1000$ à la Fondation du Lions Club International (LCIF).
La plus haute distinction de la LCIF, celle de Compagnon de Melvin Jones (MJF), honore l'engagement d'une personne envers le service humanitaire. Un MJF est décerné à ceux qui font à la LCIF un don (ou au nom desquels un nom est fait) de 1 000 dollars. Les Compagnons de Melvin Jones reçoivent un pin's et une plaque. Leur nom est aussi ajouté à une base de données informatique accessible aux visiteurs du siège international.
http://www.lionsclubs.org/FR/content/lcif_awards_recognitions.shtml

Le formulaire du don (et donc du "prix") est même téléchargeable sur internet   pour ceux qui veulent partager ce grand honneur avec Madame la présidente...

Ce prix "exceptionnel", qui a été créé en 1973, a déjà été discerné à plus de 259000 personnes dans le monde!!!
  • Ce programme a été créé en 1973 et le programme de catégorie « progressive » (PMJF) a débuté en 1986 suite à la demande de Lions qui souhaitaient renforcer leur engagement envers la LCIF
  • ....
  • On compte 259 600 Compagnons de Melvin Jones (MJF) dans le monde entier et 43 900 membres du PMJF.
  • Le déjeuner MJF a été lancé en 1984 et a eu lieu à chaque convention depuis cette date.
  • Tous les Compagnons de Melvin Jones sont invités au déjeuner annuel et leur nom figure dans une liste informatique de donateurs qui défile dans la salle MJF, au siège international.
  • http://www.lionsclubs.org/FR/content/lcif_don_melvin.shtml

2-  Cependant, le fait que le président de l'Association Internationale des Lions clubs s'était déplacé en personne pour discerner ce prix qui n'a rien d'exceptionnel comme on l'a déjà constaté, peut nous aider à deviner  l'importance des dons généreusement attribués par Madame Ben Ali à l'obscure fondation des Lions !!
Le programme Compagnons de Melvin Jones de catégorie " progressive " (PMJF) comporte 100 niveaux. Ces niveaux sont organisés en 10 ensembles de 10 pin's chacun. Les pin's supérieurs à la Série Diamant sur or jaune sont ornés de pierres précieuses et sertis de diamants (chaque pin's comporte 10 pierres).
Les coûts de remplacement de ces pin's sont variables
        La Série Diamant sur or jaune
· Pour des dons Compagnon d'un montant compris entre 2 000 et 11 000 dollars US, le donateur reçoit un insigne de boutonnière (pin's) MJF en or jaune orné de 1 à 10 diamants.
(........)
        La Série Améthyste sur or blanc
· Pour des dons Compagnon d'un montant compris entre 92 000 et 101 000 dollars US, le donateur reçoit un insigne de boutonnière (pin's) MJF en or blanc orné de 1 à 10 améthystes.
( Question pour un champion : devinez combien de diamants ou d'améthystes ornent le somptueux insigne "offert" à notre reine pour "ses efforts en matière de prestations sociales" ! ).

3-  Qui est MELVIN JONES dont Madame Ben Ali est devenue "Campagnon"?
Il s'agit du fondateur du Lions Clubs International. Le site de ce club publie une biographie officielle de ce monsieur: 
http://www.lionsclubs.org/FR/content/lions_history_jones.shtml . Sauf que  cette biographie  a omis un "tout petit détail" qui consiste au fait qu'il "Il était aussi franc-maçon. Il a été initié en 1906, à la loge 141 de Garden City, Illinois" (WIKIPEDIA : http://fr.wikipedia.org/wiki/Melvin_Jones)

Ce Monsieur est considéré par le "prestigieux"
Grand Lodge of British Columbia and Yukon  comme l'une des figures de la Franc_maçonnerie :
http://freemasonry.bcy.ca/biography/jones_m/jones_m.html

Rappelons-le, le Lions Club (au même titre que le Rotary Club) sont considérés par plusieurs comme étant ".. à la fois des pépinières de maçons et la manifestation publique de leurs préoccupations caritatives. " (
http://esaie.free.fr/niveau1/fm.htm ) .

Sans vouloir rentrer dans le débat animé sur les vrais objectifs de ces Clubs, leurs éventuelles relations avec des lobbies puissants disposant d'une influence planétaire et leur possible rôle de protection et soutien de plusieurs dictateurs et despotes surtout en Afrique (?), je voudrais finir par m'interroger sur le secret de la réussite de ces clubs et leur présence massive dans notre région et particulièrement en Tunisie(*) au moment où aucun cadre associatif, culturel et encore moins politique n'est capable de rassembler autour de lui quelques dizaines de bénévoles ???
quelqu'un a une réponse?

(*) sur le site du Lions, il y a les coordonnées d'une vingtaine de clubs dans plusieurs villes de la Tunisie:
http://www.lionsclubs.org/FR/content/resources_club.shtml
un seul club ne parait pas dans cette liste : Celui de la Présidence à Carthage!!

Imed Daimi

http://www.tunisnews.net/13feb08f.htm

الاثنين، 10 سبتمبر 2007

قرصنة موقع المؤتمر من أجل الجمهورية

صمدنا سنوات عديدة وانتصروا علينا هذه المرة. الفرق بيننا أننا نناضل مكشوفي الأوجه رافعي الرؤوس منتصبي الهامات وهم يغدرون ليلا متخفين وراء حجب و ستائر وأقنعة.

لا شك أنهم ثملوا طربا لنصرهم المبين، ولربما نالوا المنح والترقيات من ُمصدر الأوامر على إنجازهم الخارق الذي ينضاف إلى سجل الغزوات الخالدة ... ولكنهم بالتأكيد يشعرون في لحظات الخلوة بالنفس بالخجل والحياء من صنيع اقترفوه دونما اقتناع لإرضاء قرصان حقيقي قرصن أذهانهم وإراداتهم واستملك قناعاتهم وحياتهم ... إن حالهم كحال قاتل الروح لارضاء نزوة الآخرين ... لا هو استفاد من قتل المؤودة التي ستسأل يوما "بأي ذنب قتلت" ولا هو احتفظ ببراءته وربح راحة نفسه ...

أسفي عليك، أخي، أيها الذي أمضيت عقدين من عمرك تقرأ وتكتب وتتعلم الكلمة، وأمضيت ليال طوال من الابحار على الشبكة الافتراضية تنهل من معارف الكلمة، حتى صرت خبيرا تتقن فن صناعة الكلمة ونشرها، كيف تتحول الى سفاح مأجور للكلمة، تجزرها دون أن تقرأها أو تتمعن فيها.. كل هذا لماذا؟ لأجل راتب مهما علا يدخل الحساب أول الشهر بمهانة وذل ويخرج منه آخره دونما بركة ولا إفادة ...

ألم يكن بإمكانك أيها الخبير، القادر على اقتحام الحدود وتدمير التحصينات ومغالبة الجبابرة أن تكسر القيود التي تكبلك قبل غيرك، وأن تجد مورد رزق أشرف ترفع به رأسك ولا تستحي أن تجهر به لأبنائك ، من مثل صناعة الكلمة ومحاربة القرصنة وتعليم الأجيال القادمة كيف تحمي نفسها من كيد الظلمة ...

أخي، أدعوك بكل ود أن تخلع القناع والقفاز وأن تقلع فورا عن كبيرة الوأد والاغتيال، فان استجبت فمرحبا بك في مستقبل بناء الكلمة الصادقة في بلدنا، وان أبيت فتبوأ مقعدك بين الجلادين والسفاحين والمجرمين. وان كان المثل التونسي يقول "يا قاتل الروح فين تروح" فأنا أقول لك "يا قاتل الكلمة أين تروح".

عماد الدائمي

مسؤول موقع المؤتمر من أن أجل الجمهورية.

الجمعة، 4 مايو 2007

شكري الحمروني و عماد الدائمي



الدور الثاني للرئاسيات الفرنسية :المعادلة الصعبة !!


تعيش فرنسا هذه الأيام على وقع حملة انتخابية صاخبة بين المترشحين الفائزين في دور أول من الانتخابات حفته كل أنواع المخاوف . ويحبس الفرنسيون أنفاسهم في انتظار اليوم الفصل الذي ستتجسد فيه إرادتهم ويحسمون فيه الصراع على قيادتهم.
ويشتد التنافس، في ظل تقارب الحظوظ في الفوز بين نيكولا ساركوزي (اليمين) وسيغولان رويال (اليسار)، على كسب أصوات المترددين ونيل ثقة المنسحبين من الدور الأول، خاصة من قيادات تيار الوسط (برئاسة فرانسوا بايرو) وأنصاره.

والأكيد أن الغالبية العظمى للناخبين قد حددوا خيارهم. بل أن جلهم قد اختاروا منذ البداية تجاوز شكلية الدور الأول معتبرين إياه غير مجدي  وانخرطوا مباشرة في جو الدور الثاني باعتمادهم "التصويت المفيد) "التصويت للمترشح الأقل سوء ا والأقرب للفوز). وذلك لتجنب الوقوع في وضع شبيه بسيناريو 21 أبريل 2002 الكارثي، عندما اضطروا للعودة في الدور الثاني لإصلاح خياراتهم الانتخابية "غير المفيدة" التي سمحت لممثل أقصى اليمين (جان ماري لوبان) بالوصول إلى الحلبة الأخيرة.

وبعد تردد الناخبين، الذي يبدو أنه ترك مكانه لوضوح وانسجام، ها نحن نشهد ترددا واضحا للمترشحين للجولة الأخيرة. حيث أصبحا يبدوان في حيرة من أمرهما، لا يعرفان على أي رجل يرقصان، وفي أي إتجاه يسيران لتجميع أصوات مبعثرة ومتخاصمة.

فرانسوا بايرو .. حتى النهاية

في الوقت الذي بدا فيه الكثيرون مسرورين بعودة الصراع الأبدي بين اليمين واليسار، وبعودة التنافس بين مشروعين مجتمعيين متضادين تماما، جاءت النتيجة الباهرة التي حققها فرانسوا بايرو 7) ملايين ناخب صوتوا له) لتمنع هذا الصراع من البروز بحدة في الخطاب السياسي لكلا المترشحين، الذين وجدا نفسيهما  مضطرين لإعادة النظر في برنامج حملتيهما للدور الثاني من أجل الفوز بود وسط يسعى للإحتفاظ لآخر لحظة بدور حاسم.

لا سيما وأن ساركوزي مثله مثل رويال قد استنفذ كلاهما مخزون الأصوات على تخوم معسكره في أعقاب الدور الأول الذي بدا أشبه بانتخابات أولية داخل العائلتين الإيديولوجيتين الكبريين انتهت باندحار "صغار المترشحين" وحماية "الكبار " من أي آثار سلبية قد تهدد "مصيرهم الوطني".
إن فرانسوا بايرو ، رغم سقوطه من السباق ، هو بصدد بيع الهزيمة الانتخابية الأغلى ثمنا، حيث أصبح قبلة الطرفين المتنازعين وهدف إغراءاتهما بفضل موقعه الذي يؤهله لحسم الصراع الرئاسي.

إن الفوز في هذا الدور سوف يمر، صراحة أو ضمنا، إما عبر التحالف مع الوسط أو الاقتراب منه على الأقل. لذلك فمن المنتظر أن تكون تنازلات الطرفين لهذا الخاسرـ الرابح بحجم التحديات والآمال المعلقة. وهكذا ستكون الأفكار الوسطية الرابح الأكبر في هذه الإنتخابات بتخطيها للحدود الحزبية.
أما بايرو فإنه، وإن عجز عن استلام السلطة هذه المرة، فقد أعد نفسه جيدا وأعد الأرضية الخصبة للمحطات الانتخابية القادمة.

ساركوزي رئيسا ... للدور الأول

ما كادت نتائج الدور الأول تعلن حتى تعالت تهليلات بعض المحللين المستعجلين لمنح فوز ساركوزي حجما قياسيا بتحول ميزان القوى بين اليسار واليمين لمصلحة التيار الأخير، مسارعين إلى مقارنة جملي الأصوات المحصلة من أحزاب اليمين مجتمعة) الجمهورية منها والوطنية) مع أصوات كل أطياف اليسار. غير أن هؤلاء المحللين تناسوا أن تلك الأرقام تعكس تراجعا للحجم الإجمالي للتصويت اليميني مقارنة مع الانتخابات السابقة ( 59,16% في سنة 1995 ثم 48,41 في 2002 مقارنة ب 45,05 في الانتخابات الأخيرة.(

وفي الحقيقة فقد كسب ساركوزي بجدارة الانتخابات في صفوف اليمين. ولعل سبب فوزه يكمن في نجاحه في أمرين رئيسين :

ـ تمكنه بالترغيب حينا والترهيب أحيانا من فرض ترشح وحيد في العائلة اليمينية الجمهورية للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية الخامسة.
ـ تمكنه من مغازلة قطاع عريض من أنصار الجبهة الوطنية (أقصى اليمين) بتبنيه لجملة من القضايا والشعارات المحسوبة على جان ماري لوبان الذي سجل في المقابل نتيجته الأخفض منذ سنة 1988

وهكذا توج الدور الأول ساركوزي رئيسا لقوى اليمين والآن يفترض عليه أن يبحث عن أصوات أخرى وأن يظهر كزعيم لكل الفرنسيين وهو ما لا يبدو قادرا على التألق فيه.
لقد نجح ساركوزي في إخماد أصوات منافسيه كما نجح في عزل المجموعات الدينية والطبقات الاجتماعية عن بعضها البعض وفي تأجيج الفوارق والاختلافات ) الذين يستفيقون باكرا للعمل مقابل الآخرين، والذين يحبون فرنسا والآخرين، و"الذين يحملون في جيناتهم بذرة الشر"   والآخرين  .(.. ولهذا السبب ربما تألق في الدور الأول حيث يتعلق الأمر ب "اختيار مرشح وبرنامج" والتأكيد على الخصوصيات أكثر من الجوامع.

أما في الدور الثاني فالأمر مختلف تماما، فالمطلوب ليس إبراز الاختلاف وتأجيجه بل البحث عن الوفاق والتجميع. لذلك فساركوزي مطالب بمراجعة سياسته وتليين خطابه. أولا تجاه فرانسوا بايرو والملايين السبعة الذين صوتوا له، حيث لن يمكنه وصمه مجددا ب"الضبابية السياسية" لأنه صار مضطرا مثله لأن يقطع مع "الخيارات الأيديولوجية والحزبية". ثم تجاه سيغولان رويال، حيث لن يمكنه إتهامها بعدم الكفاءة كما لا يجوز له مهاجمتها بشدة أو السخرية من أفكارها) كما كان يفعل في الدور الأول) نظرا لحساسية الفرنسيين الشديدة من تعنيف النساء ونقص الأدب تجاههن.

وقد يبدو الأمر غريبا ولكننا نشهد اضطرار المنتصر لتغيير إستراتيجيته وتكييفها للتوجه نحو اللعب على ميدان المهزومين.
وقد يكون ساركوزي بسعيه الكبير للتميز عن الآخرين وبميله الجامح نحو اليمين في الدور الأول، قد رهن حظوظه في الفوز بالدور الثاني، حيث يجب التجميع وأخذ مسافة عن الانتماءات والاختلافات. ولعله أسهم ببثه للفرقة وتكريسه طيلة السنوات الأخيرة لفكرة "الأنا في مقابل الآخرين" في تجميع أعداد متكاثرة من الفرنسيين حول شعار "الكل ما عدى ساركوزي" الذي قد يكون له دورا حاسما في المعركة النهائية. عندئذ قد يجد ساركوزي نفسه مهددا بالاكتفاء في أعقاب هذه الانتخابات باللقب الشرفي "رئيس الدور الأول".

سيغولان رويال أو الهزيمة المؤجلة

إذا كان نيكولا ساركوزي قد حقق تفوقا جليا على منافسته في الدور الأول، فإنه لا يمتلك هامشا كبيرا للمناورة و  المبادرة لتوسيع دائرة أنصاره. أما رويال فإنها رغم تأخرها عن غريمها، فهي تتمتع بآفاق وإمكانيات سياسية أوسع. غير أنها مطالبة بإستثمار الفرصة الجديدة التي منحها إياها الفرنسيون بعد حملة إنتخابية غير موفقة بدت فيها مرتبكة ومحاصرة بين رغبتها في التغيير من ناحية وخشيتها من التصادم مع قوى المجتمع المحافظة من ناحية أخرى، وبين حرصها على التحرر واستقلال القرار وإرتباطاتها الإيديولوجية والحزبية. إنها مطالبة أيضا بإسترجاع التحكم في نسق حملة فرض فيها مرشح اليمين أحيانا كثيرة مواضيع النقاش ومراكز الإهتمام، مما إضطرها للمغامرة بعيدا وصولا الى ميدان أقصى اليمين (عند طرح قضايا الهوية والروح الوطنية.(

إن رويال تعرف جيدا أنها تعرضت لهزيمة مؤجلة، مؤهلة للتأكيد والتفاقم إن لم تنجح في قلب الأوضاع وتغيير تقييم الرأي العام السلبي لحملتها.
إن على رويال أن تبدو أكثر تلقائية وطبيعية وأن توجه خطابها بدون عقد ومركبات لكل الفرنسيين كما فعلت بنجاح مع أبناء حزبها أثناء الانتخابات التمهيدية لاختيار المرشح الاشتراكي وأثناء ورشات الديمقراطية التشاركية (التي كادت تتحول إلى "ديمقراطية استعراضية"). 

يجب عليها أن تتحرر من العراقيل الايديولوجية والسياسية والشخصية التي تشدها الى الوراء لكي تقترب أكثر من الفرنسي العادي ولكي تحرر اختيار الناخبين الذين لا يزالون يشكون في قدراتها. من أجل كل هذا، يجب عليها أن تقوم بحملة جديدة تقطع مع سلبيات الدور الأول.
أما منافسها فمن مصلحته الحفاظ على تفوقه والإبقاء على الوضع كما هو عليه حتى السادس من مايو.

ولتقريب الصورة ، يمكننا إستعارة مشهد رياضي وتشبيه وضع المترشح المتقدم بوضع فريق كرة تقدم في الشوط الأول على منافسه ويسعى طيلة الشوط الثاني للحفاظ على النتيجة بكل الوسائل : بإضاعة الوقت، والابتعاد عن المغامرة والخطر، وتجنب التشابك، والتحول من خطة هجومية إلى خطة دفاعية. وقد تؤتي مثل هذه الخطة أكلها مانحة الفريق المتقدم نصرا نهائيا بدون بريق. غير أنها كثيرا ما تفشل، حيث ينسى ذلك الفريق أن مقابلة الكرة تلعب في تسعين دقيقة كاملة، ويتعرض بسبب إنكماشه لهجومات المنافس مما قد  يعرضه للانهيار في أي وقت.
إ ن على رويال، إن شاءت الفوز، أن تدفع بساركوزي نحو الخطأ، وأن تأخذ بزمام المبادرة وتفرض نسقها ومجالات إهتمامها ونقاط قوتها. خاصة وأن ساركوزي قد إستعمل كل ورقاته الصالحة أصلا لدور واحد.

وبإعتبارها أكثر قدرة من غريمها على التجميع وعلى مخاطبة كل الفرنسيين بدون إستثناء، فإن عليها أن تسحبه إلى هذا الميدان. كما عليها أن توقعه في مواضيع يخشى ولوجها كخشيته الدخول إلى الأحياء الشعبية (من مثل قضايا العدالة الإجتماعية والتعليم والتضامن والمساواة ..). بهذا تحقق رويال إنجازا مضاعفا : كسب قواعد تيار الوسط الحساسين تجاه هذه القضايا، وإبهار أكبر نسبة من الناخبين المترددين بإنتزاع الأسبقية عن المنافس.
يكفي رويال أن تقنع الفرنسيين الراغبين، في أغلبيتهم العظمى، في التغيير، من أقصى يسارهم إلى أقصى يمينهم مرورا بالوسط، أنها تمثل أملا حقيقيا في التغيير ورمزا للعيش المشترك ولنبذ الفرقة والتشابك.

إن الاشتراكيين يجدون أنفسهم اليوم في منعطف تاريخي حاسم : الهزيمة قد ترمي بهم في أتون أزمة داخلية عاصفة، والنصر هم عاجزون على تحقيقه بمفردهم. لذلك فإن عليهم مراجعة أفكارهم واستراتيجيتهم والانفتاح على تيار الوسط وصولا إلى بناء تحالف استراتيجي يفتك الحكم ويغير قواعد اللعبة. وإن لم يقوموا بتلك المراجعات، فستجبرهم الهزيمة على إعادة بناء مؤلمة وتدفع بهم ربما لرحلة عبور صحراء مستعصية.

وهكذا بين مرشح غير متأكد من الفوز ومرشحة لم تخسر بعد، لا تزال فرنسا معلقة تنتظر نتائج هذه الانتخابات. وبقطع النظر عمن سيفوز، سيحتفل المواطنون، الذين سيقبلون بلا شك بكثافة كبيرة على صناديق الاقتراع، مجددا بإنتصار الديموقراطية في درس آخر وليس أخير للمدنية والتحضر.
غرة مايو 2007

شكري الحمروني و عماد الدائمي
كاتبان تونسيان مقيمان بباريس

الجمعة، 9 يونيو 2006

إقالة القنزوعي: زوبعة في فنجان أم نذير بركان

عماد الدائمي وسليم بن حميدان(*)

في النظام الدكتاتوري تكتسي أخبار الإقالة أو الإعفاء من المناصب العليا في جهاز الدولة أهمية خاصة إذ عادة ما تتميز هذه الأخبار بعنصرين هما : الفجائية والغموض.

خبر إقالة مدير الأمن الوطني "محمد علي القنزوعي" مثال يؤكد علميّا الطبيعة الدكتاتورية للنظام الرئاسوي الحاكم في تونس (والخطاب موجه للنخبة الحقوقية والدستورية الصامتة).

عنصرا الفجائية والغموض يفتحان الأبواب أمام توارد الخواطر والتأويلات حول خلفيات الحدث ودلالاته وانعكاساته على المستقبل السياسي لتركيبة النظام وللبلاد بشكل عام.

قراءتنا لهذا الحدث لا تدعي الموضوعية بل هي من جنس نضالنا الميداني، فكرا وشعورا، للإطاحة بالدكتاتورية وبناء دولة القانون والديمقراطية والحريات على أنقاضها إن شاء الله.

بدءا، نود الإشارة إلى ضرورة الانطلاق منهجيا من الحالة العامة التي يتربع فيها النظام الحاكم فاعلا رئيسيا وسيدا قاهرا.

تتميز الحالة العامة خلال الأشهر الأخيرة التي أعقبت قمة الاحتقان، المصطلح عليها بقمة المعلومات، بمظاهر ثلاثة يمكننا وصفها بالصحوات الجديدة:

الصحوة الأولى ذات عنوان سياسي وتتمثل في ارتقاء الأداء النضالي والحزبي إلى مستويات عليا من التنسيق الذي تجاوز العناوين الحقوقية التقليدية ليرتفع إلى المطلبية السياسية العصية. لقد كانت مبادرة 18 أكتوبر تتويجا لزخم نضالي تصاعدت وتيرته منذ استفتاء البيعة في أفريل 2004 وتأسيس ما يمكننا تسميته بالجمهورية الانقلابية الثالثة.

ورغم لومنا لنسق حركة 18 أكتوبر وعدم طرحها الجريء لمسألة رحيل الدكتاتورية واكتفائها بالمطلبية "الإصلاحية" فإننا نرى فيها إطارا ممكنا لصياغة عقد وطني جديد يقوم على المسؤولية والإجماع.

أما الصحوة الثانية فذات طبيعة اجتماعية حيث يتنامى الاحتجاج العمالي والطلابي على أرضية ملتهبة من التمايز الطبقي الصارخ والبطالة المتفشية والفساد والجريمة المنظمة. ورغم محاولات النظام المتكررة اختراق المنظمات العمالية والطلابية وكسر التضامنات الداخلية بين قياداتها القطاعية والجهوية فإنها لا زالت تشكل الروافد الرئيسية لتنظيم الرفض وتحويله عصيانا وتمردا بما ينذر بـ"خريف تونسي" أحمر.

الصحوة الثالثة ذات مضمون ديني وتتجلى في عودة مظاهر الالتزام القيمي والشعائري التي عمت كل الأوساط الشعبية بمختلف مستوياتها العمرية والمهنية. ورغم الاختلاف السوسيولوجي في تحليل طبيعة الظاهرة من حيث مدى بعدها أو قربها من الإسلام السياسي، شكلا ومضمونا، فإنها تبقى خزانا استراتيجيا مفتوحة للاستثمار الميداني في مواجهة التطرف العلماني للسلطة.

لقد أعطت حادثة تدنيس المصحف الشريف وتفاعلات قضية الحجاب مؤشرات قوية على عمق الظاهرة كما وجهت رسالة واضحة ومضمونة الوصول إلى أعلى هرم السلطة مفادها أن انتهاك المقدسات يفضي إلى اشتعال الغضب ويحرك في الجماهير نخوة المعتصم.

إن توقيت ارتكاب الجريمة ربما يفتح الباب واسعا أمام حركة غضب شعبي عارم يسنده دعم عربي وإسلامي كامل، في لحظة دولية تجعل من صاحب الفعلة الشنعاء إما صليبيا حاقدا أو صهيونيا متطرفا وما الصور الدانمركية وأحداث المعتقلات الأمريكية في العراق وغوانتنامو ببعيدة.

وقوف النظام التونسي على هذه الحقيقة تجعله يدرك بحكم غريزة البقاء، لا بالفطنة والذكاء، أنه يقع على أعتاب انفجار سياسي واجتماعي لا يبقي ولا يذر، لذلك سارع إلى سياسة كبش الفداء امتصاصا للغضب وتحويلا للأنظار بما قد يفهم أنه اعتذار مبطن يحفظ للطاغية ماء الوجه.

الرسالة الأخرى التي يريد رأس الشر في بلادنا توجيهها إلى الرأي العام هو أنه لا يزال سيدا على عرشه يعين من يشاء ويعزل من يشاء وهو القوي الشديد. رسالة تزداد أهميتها في ظل احتدام معركة الخلافة مع تأكد المرض وقرب النهاية وما يثيرانه من شهية لدى غربان القصر للظفر بكرسي الجثة قريبا.

أما الدرس المهم الذي نستخلصه من "زوبعة الفنجان" فهو هشاشة الدكتاتورية رغم مظاهر القوة والجبروت التي تدجّج بها واجهتها ترويعا للشعب ودفعا له عن الشأن العام ومعركة تقرير المصير. فقد أثبت النظام مرة أخرى أنه يرتجف من غضبة الشعب قبل أن تزمجر في الشوارع ويرتعد من وخز المعارضة قبل أن تجتمع على مطلب الرحيل.

وفي قراءتنا المتواضعة لمآلات الأوضاع فإننا نعتبر صهر الصحوات الثلاث، السياسية والاجتماعية والدينية، شرطا للتخلص من الدكتاتورية في بلادنا، وهو رهين أداء سياسي واضح ومصمم لا لبس فيه ولا تردد.
لقد بدأت كل الصحوات تتجذر فهل إلى صحوة وطنية من سبيل ؟
 
(*) عضوان مؤسسان بحزب المؤتمر من أجل الجمهورية  http://www.tunisnews.net/9juin06a.htm